Affichage des articles dont le libellé est في نقد السلفية وضرورة التجاوز. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est في نقد السلفية وضرورة التجاوز. Afficher tous les articles

jeudi 12 juin 2014

09- أحاديث على ضوء منهجية الفهم

في نقد السلفية وضرورة التجاوز

09- أحاديث على ضوء منهجية الفهم

إشارة لا بد منها :
إن السنة النبوية هي الأصل الثاني الذي يعتمده الفقيه في استنباط الأحكام. وإن كان القرآن متواترا محفوظا في الصدور والسطور فإن الحال يختلف مع السنة النبوية من حيث درجة التواتر والقوة. فإن توثيقها كان بعد فترة طويلة من العهد النبوي، مما يسر على المدلسين وضع الأحاديث ودسها على المسلمين. ومرد ذلك أن المسلمون في أوائل عهدهم لم يكونوا مقبلين إلا على القرآن والسنة معرضين على ما دون ذلك حتى ولو كان من اجتهاد العلماء والفقهاء (1)، فلم يكونوا يطمئنون إلا لما اتصل اتصالا وثيقا بالكتاب والسنة، فلم يجد المدلسون مدخلا لبث ما عندهم إلا عن طريق السنة النبوية. فبثوا فيها الحكم الهندية والزردتشية والأقوال النصرانية والإسرائيليات والأحكام الفقهية المفترات وغير ذلك.
لكن العلماء قد اهتموا بتحقيق الأسانيد وضبطها، وابتدعوا في ذلك مناهج قيمة لتمييز الأحاديث السقيمة من السليمة، وكان انتاجهم العلمي في هذا الموضوع عاليا فألفت الكتب ووضعت المناهج في ذلك. بيد أن الإنتاج العلمي في تحقيق متون الأحاديث كان أضعف وأقل حظا من تحقيق أسانيدها. مما جعل جوين بول صاحب مادة الحديث في دائرة المعارف يكتب فصلا بعنوان نقد المسلمين للحديث، فتناول فيه نقدهم للسند دون أن يتحدث بحرف عن نقدهم للمتن ومنهجهم فيه. وقد ذكر أحمد أمين في مؤلفاته فجر الإسلام وضحى الإسلام شيئا يحيل إلى القضية التي ذكرناها من طفرة شاسعة بين نقد السند ونقد المتن.
ولهذا فإننا نجد "الكلام في هذا الموضوع قليلا، حتى أن الذين مارسوا هذه الطريقة من النقد، قلما يتكلمون في أصولها ومناهجها، بل يكتفون بالكلام الذي فيه ممارسة لها فقط، بخلاف النقد الإسنادي وما يتعلق به من جرح وتعديل، واتصال وانقطاع، وما إلى ذلك، فإنه أشبع بحثا، وكتبت فيه الكتب الكثيرة، ولم يكتب في نقد المتن إلا النزر اليسير." (2)

إني أجد التنويه ضروريا على هذه المسألة، وأعدها تكملة للفصول السابقة وعلامة أخرى مؤكدة على أهمية فهم الحديث على ضوء الأصول الراسخة، فوجب إثر ذلك إلحاق الفروع بأصولها. وهو منهج السيدة عائشة رضي الله عنها التي كانت حريصة على الفهم ومقابلة الكتاب بالسنة وحريصة على عدم التعارض بينهما، حتى مارست ذلك البحث الاجتهادي بين يدي رسول الله لما سمعت حديثه "ليس أحد يحاسب حتى هلك" فاستشكل عليها الفهم وسألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى "فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا" حتى يجلي لها التعارض الذي لاح لها، فوضح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك "إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك" (3) ومثلها حفصة رضي الله عنها وأرضاها لما سمعت "لا يدخل النار أحد ممن شهد بدرا والحديبية" فاستشكل عليها وقالت أليس الله يقول : وإن منكم إلا واردها. فأجابها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى "ثم ننجي الذين اتقوا ونذروا الظالمين فيها جثيا". (4)

حري بطلبة العلم أن يترسخ في أذهانهم هذا المنهج التحقيقي لما بين أيديهم من نصوص، وأن يرتبوا أذهانهم بالأصول أولا بأول، ويجعلوا المقاصد الشرعية في أعلى المراتب حتى لا يستشكل عليهم حديث طاعن فيها فيأخذوا به ويذروا ما أصّلت عليه تلك المقاصد أو الأصول أو ما علم من الدين واشتهر، أو مخالفة لما يتفق عليه العقلاء، أو مخالفة بين نصين فيكون القرآن الباب الأول للحكم على الأحاديث لتواتره وثبوته وقوته.
ووجه أهمية هذا أن بعض طلبة العلم يتهيبون من مخالفة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم غافلين عن دقائق الرواية، وحسبوا أن تحقيقهم للحديث متنا ثم فهمه على وجهه السليم إنما هو من قبيل الاعتراض على قول النبي ومخالفة أمره. وليس هذا النظر سليما، إذ أن الأخذ بالأحاديث الموضوعة والتساهل في تحقيقها أشد خطورة من التدقيق فيها وإنزالها محل النظر والتحقيق، ذلك أن إضافة حديث قد يساوي إضافة حكم، وحذف حديث قد يكون حذف حكم، وكلاهما شديد الخطورة، بيد أن الإضافة أشد، فإن نقص أثر من المدونة الحديثية الواسعة غالبا ما يهتدى في غيابه بأحاديث أخرى تؤدي معناه، أما الإضافة قد تكون بابا للطعن في الإسلام أو بابا لتعارض الحديث مع القرآن أو أحاديث أخرى أو إضافة حكم لا أثر آخر في موضوعه للبحث فيه أو تفسير آية على غير مرادها أو غير ذلك. "فالخوف من النقص إن لم يكن أقل من الآخر خطرا فهو إن شاء الله ليس أكثر منه، والله أعلم." (5). والمُلاحَظ في بعض طلبة العلم اليوم، أنهم يتساهلون في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم دون تثبت، وهو من آفات المنهج الظاهري. فحسبوا أن النقل يغنيهم عن التحقيق والدراسة والبحث، وهذا من الطوام التي انتشرت وعمت. في حين ينبري أحدهم مدافعا مغوارا عن السنة النبوية إذا ما سمع أحد المحققين يدرس حديثا وينزله منزلة البحث والنظر فيشدد عليه وينكر أشد الإنكار. وما هذا إلا لخلل منهجي عندهم وتصور أن حمل الأحاديث على غير وجهها أو التساهل في قبولها سليم والتحقيق والنظر حسب القواعد العلمية هو محل الإشكال. فإلى الله المشتكى.

أسباب الوضع :
نستطيع أن نلخص أسباب الوضع في : تشويه الإسلام. الانتصار لمذهب، سياسي كان أو فقهي أو جغرافي. التوصل الى أغراض دنيوية، كالتقرب من الحكام، أو تجميع الناس حول الراوي وأكثر هؤلاء من القصاص. الترغيب والترهيب. وأسباب أخرى غير مقصودة كالوهم والغلط. كقول ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم (6)، أو رواية ثابت بن موسى حديث من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وهذا السبب الأخير من الأسباب الدافعة والحاثة على نقد المتون والنظر فيها لأن سنده ورواته ثقات. ومن العوامل المساعدة على الوقوع في الوهم، قلة التدوين وتأخره، والرواية بالمعنى أيضا. ومن الأسباب غير المقصودة الدس في كتب الراوي وهو لا يشعر كما وقع لعبد الله بن صالح وقد كان له جار سوء، فدس المناكير في كتبه فقرأها الرجل، وهو في حد ذاته صدوق، ولم يشعر أنها مدسوسة. (7) حتى قال ابن الجوزي أن جماعة من السلف قد ابتلوا بمثل هذا. و الحقيقة أن التحقق من مثل هذه الأحاديث عسير جدا، إذ أن الناس لم يتعودوا على أحاديث موضوعة يرويها ثقات، وهذا يزيد مهمة تمييز الأحاديث بناء على المتن صعوبة. ويحتاج ذلك إضافة إلى الهمة العالية والفهم الدقيق في هذا المجال ومعرفة أحكام الدين، إلى إلمام بتاريخ كل عصر وأوضاعه السياسية والإجتماعية والإقتصادية مع معرفة بالأحاديث الموضوع التي انتشرت فيه، فإن الوضع غالبا لا يكون إلا لحاجة، مثل حديث "الهريسة تشد الظهر" فقد كان واضعه محمد بن الحجاج النخعي وكان يبيع الهريسة، أو كالأحاديث التي وضعت لنصرة أحد المذاهب أو احدى الفرق. لذلك فإن معرفة أسباب الوضع من الأهمية بمكان.

روى الرامهرمزي (8) بإسناده أنه قيل لشعبة : من أين تعلم أن الشيخ يكذب ؟ قال : "إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب" (9)

ونقل الإمام السيوطي عن القاضي أبي بكر بن الطيب أنه قال : "إن من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفا للعقل، بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة، أو أن يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجتماع القطعي، ... أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلا واحد، ومنها بالإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على الفعل الحقير" (10).

وعليه، فإن الحديث، عند العلماء، يمر بمرحلتين ليستوفي شروط الصحة. الأولى هي مرحلة التثبت في السند، والثانية مرحلة النظر في المتن فلا يحتوي لا على علة قادحة ولا يكون شاذا. وهذه المرحلة الثانية يمكن أن نميز فيها أقساما من الحديث كالحديث الشاذ والمنكر والمقلوب والمدرج وغير ذلك (11). فإن ثبت الحديث واستوفى الشروط واعتمد فينبغي أن يفهم على ضوء المنهجية السليمة لفهم السنة النبوية. وهذا مما اعتمده وتحدث عنه الإمام محمد الغزالي رحمه الله في كتابه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.

أحاديث للنظر والتدبر :

الحديث الأول :
عن بن بريدة عن أبيه قال كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يخطبها فأرسل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كذب عدو الله ثم أرسل رجلا فقال إن وجدته حيا وما أراك تجده حيا فاضرب عنقه وإن وجدته ميتا فأحرقه بالنار قال فجاءه فوجدته قد لدغته أفعى فمات فحرقه بالنار قال فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. (12)
وترى في الحديث أن الوضع على النبي صلى الله عليه وسلم أي الكذب عليه قد كان في عهد النبوة (13) وربما علم متلقو الحديث أن الرجل يكذب من وجهين، الأول أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفرض القبول على المرأة وقومها وهم كارهون للرجل، والثاني أن ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وافق هواه ووافق ما جاء به في الجاهلية. ولعل السببين مجتمعين، أو أحدهما، حث هؤلاء على التأكد بنقدهم لما تلقوه عن الرجل، فبعثوا للرسول صلى الله عليه وسلم. فقد كان في المدينة منافقون لا يتورعون عن الكذب ولا ما أكبر منه إثما ومعصية، والتثبت والتبين من أوامر الله عز وجل للمؤمنين.

الحديث الثاني :
استدراك السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها على ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه في حديث "ولد الزنى شر الثلاثة" (14) وروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "لئن أقنع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنى" (15). وهنا تظهر مرة أخرى فطنة السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها وعرضها للحديث على القرآن الكريم وعلى أصل من أصول الدين وهو قوله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى" فكيف يكون ولد الزنى شر الثلاثة ولا وزر له في فسوق والديه وخطيئتهما ؟ وكيف يتفق هذا مع الآية القرآنية ؟ ثم أوردت السيدة عائشة الفهم السليم لما ذكره أبو هريرة وقالت "أساء سمعا فأساء إجابة". فذكرت السيدة عائشة أن حديث ولد الزنى شر الثلاثة إنما ورد في رجل من المنافقين كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل للرسول إنه على ما به ولد زنى، فقال : "هو شر الثلاثة". (16) وأما حديث الاعتاق فإنه لما نزل قوله تعالى فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة قيل يا رسول الله ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدنا له الجارية السوداء تخدمه وتسعى عليه فلو أمرناهم فزنين، فجئن بأولاد فأعتقناهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم " لئن أقنع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن آمر بالزنى، ثم أعتق الولد" (17) ومن هنا تدرك سبب قول أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها : رحم الله أبا هريرة، أساء سمعا فأساء إجابة.

الحديث الثالث :
عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "للمملوك أجران، والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك" (18). وفي هذا الحديث بيّن حبان بن موسى عن ابن المبارك أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ينتهي إلى قول أجران، ثم قال "والذي نفس أبي هريرة بيده ..." فتبين أنه من قول أبو هريرة رضي الله عنه. إذ لا يجوز أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم تمنيا للرق، لكونها غير لائقة بمقام النبوة، وكذلك لم يكن له حينها أم يبرها. فعلمنا إذا أن جزء من الحديث مدرجا. (19)

الحديث الرابع :
روى الإمام مسلم أن فاطمة بنت قيس ذكرت أن زوجها أبا عمرو بن حفص، خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل لها بأخر تطليقة كانت قد بقيت من طلاقها، وأمر بعض أقاربه بأداء شيء من النفقة إليها، فقالوا لها : ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له قولهم، فقال لها : "لا نفقة لك ولا سكنى". وقد رد عمر بن الخطاب روايتها إذ أنه كان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة وقال : لا نترك كتاب الله، وسنة نبينا، بقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت. (20).
فقد أشار عمر بن الخطاب إلى قوله تعالى "أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن" ومراده بالسنة طريقة النبي صلى الله عليه وسلم العامة، أو أنه سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم خلاف قول فاطمة. ولعل ما روته فاطمة عن الرسول صلى الله عليه وسلم هو فهمها لإذنه لها بالانتقال من بيت زوجها، فحسبت ألا حق لها في السكنى وقرنت ذلك بالنفقة.

الحديث الخامس :
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "الطيرة من الدار والمرأة والفرس" (21) فلما اخبرت عائشة رضي الله عنها بهذا غضبت، وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، وقالت : والذي أنزل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، إنما قال كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك. ورواه ابن قتيبة مثل ذلك وزاد انها قرأت قوله تعالى "ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير" (22).
وواضح من كلام عائشة رضي الله عنها أن أبو هريرة رضي الله عنه سمع جزء من الحديث عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحدث به. ولا يختلف اثنان في أن قول السيدة عائشة رضي الله عنها أوثق لروح القرآن ويتوافق مع الأحاديث التي تنهي عن التطير.
وأمثال هذه الأحاديث التي تخالف صريح القرآن ينبغي أن تدرك وتعلم، فإن في الأخذ به فتنة عظيمة لا يزيد إشعالها إلا سفهاء من حدثاء الأسنان ممن يطيرون بمتشابه الحديث وغرائبه إلى أصقاع الأرض زاعمين أنهم منافحون عن السنة النبوية وما حال هؤلاء إلا كحال حاطب ليل أعدم المنهج السليم.

الحديث السادس :
-         "الخلافة في قريش والحكم في الأنصار والدعوة في الحبشة والجهاد والهجرة في المسلمين والمهاجرين بعدُ" (23)
-         "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم إثنان" (24)
-         "الناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم تبع لخيارهم وشرارهم تبع لشرارهم" (25)
-        "الأئمة من قريش، أبرارُها أمراءُ أبرارِها، وفجارُها أمراءُ فجارِها، ولكلٍّ حق، فآتوا كلَّ ذي حقّ حقَّه، وإنْ أمّرتُ عليكم عبداً حبشياً مجدعاً، فاسمعوا له وأطيعوا، ما لم يُخيَّر أحدكم بين إسلامه وضربِ عنقه، فإنْ خُيرَ بين إسلامه وضرب عنقه فليقدّم عنقَه، فإنه لا دنيا له ولا آخرة بعد إسلامه" (26)
أما عن سند الأحاديث فإن بعضها ورد في الصحيحين وجمهور المحققين على أنها صحيحة خاصة أنها وردت بعدة روايات حتى قيل بأن الحديث نقل بالتواتر. (27) والإشكاليات المتعلقة بالحديث تتمحور حول مفهوم الإمامة ومعنى التبعية لقريش وتخصيصهم بالخلافة دون غيرهم في حين أن العارف بروح الإسلام يدرك أن من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، والتفضيل إنما يكون بحسب البلاء والجهد والعلم والتقوى فـ "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (28) وأحاديث تفيد هذا المعنى من مثل "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (29). فهل تفيد الأحاديث أن القرشية شرط ضروري لا ينبغي إسقاطه في الإمامة العظمى، بمعنى أن القرشي الأقل علما وقدرة يقدم على غيره ممن هو أكثر منه أهلية ؟ أم أنه يفيد الأفضلية بحيث يقدم الثاني على القرشي الأقل منه أهلية، ويؤخر في حال استوائهما ؟ أم أن الحديث يفيد فترة زمنية محددة وهي ما اقتربت من فترة زمن النبوة وما اقترنت بشوكة قريش ووزنها في العرب ؟

لعل عرض تأويل وتفسير العلماء للحديث حسب التسلسل الزمني يساعد على فهمه وحسن استيعابه. فقد فهم لفظ الإمامة في الحديث على أنه إحالة إلى الإمامة العظمى، لا أي إمامة، فإن الإمامة قد تفيد الإقتداء في أي أمر خيرا كان أم شرا. ولكن حدث أن فسر بعد ذلك حسب بعض تلاميذ الشافعي على أن لفظ الإمامة غير مقيد بالإمامة العظمى فجعلوه دليلا على إمامة الشافعي وصحة مذهبه مقابل بقية الأئمة وفي قولهم تعقبهم القاضي العياض رحمه الله فقال "ولا حجة فيه، لأن المراد بالأئمة في هذه الأحاديث الخلفاء" (30). ثم تطور فهمه بعد ذلك ليشرحه الإمام النووي رحمه الله أنه دليل على أن الأمة تبع لقريش وأن مجدها باق ما بقي في الناس اثنان، وفعلا فإن الوضع كان كذلك إلى عهد الإمام النووي حتى آلت الخلافة إلى آل عثمان وتغير الحال فخالف اللاحق ما ظنه النووي رحمه الله وقطع به. وتعقبه الدكتور يحيى إسماعيل فقال : "ولأنها استمرت بحمد الله هكذا في قريش لم تقع في غيرهم حتى وقت حياته فقد ظن رحمه الله أن الريح ستكون على ما كانت فحمله هذا الظن على تأويل خولف." (31) وبهذا تفطن للقيد في بعض الروايات الأخرى من أن الخلافة فيهم ما أقاموا الدين وما إن استرحموا فرحموا وما إن عاهدوا وفوا وما إن حكموا عدلوا، فاستخلص المناوي رحمه الله من ذلك أن الحديث يفيد الإخبار وما يحدث لها في المستقبل. فهذا القيد أحال العلماء للتساؤل إن كانت صيغة الأحاديث الواردة تدل على الأمر أم هي للإخبار وبالتالي لا تترب عليها أحكام وهو ما اختاره الإمام المناوي في ما سبق ذكره. (32)

وهذا ما اختاره الشيخ عبد القادر عودة إذ قال : "إن الأحاديث كلها وردت بصيغة الخبر عدا حديث استقيموا لقريش ما استقامت لكم وحديث قدموا قريشا ولا تَقَدَّمُوها فإنهما وردا بصيغة الأمر. والأحاديث الواردة بصيغة الخبر ليست أحكاما وإنما هي أخبار عن حال قريش وما يحدث لها ومجموعها يفيد أن الإمامة ستكون فيهم ما أطاعوا الله ولو بقي من الناس اثنان، فإذا عصوا الله بعث عليهم من يقصيهم عنها. أما الحديثان الواردان بصيغة الأمر فقد جاءا ببيان ما يجب على الأمة من معاملة قريش ما دامت مستقيمة على أمر الله." (33)
والإجابة على هذا السؤال تعتبر مفصلية لإدراك هل أن الحديث يلزم المسلمين باختيار القرشي للإمامة أم أنه خبر يُرفع حكمه ؟ فإذا اختير الثاني جاز اختيار غير القرشي للإمامة، وإذا اختير الأول سألنا إن كان الأمر مختصا بزمن ومرتبط بعلة يزول الحكم بزوالها أم أنه باق لا ينسخ. كأن يكون مرتبطا بمجد قريش ومكانتها. وقد اختار المتقدمون القرشية كشرط في الإمامة لا بد منها. ثم اختار بعضهم أن يقدم العالم التقي غير القرشي على القرشي إن كان غير ذا دراية (الجويني رحمه الله)، فهنا طرح السؤال عما إذا اختلف عند رجلين النسب والحكمة أيهما تقدم على اختها. وخالفهم في ذلك المتأخرون وحملوه إما على أنه خبر وإما على أنه مقيد بشرط وخاص بمجد قريش والزمن القريب من عهد الصحابة، فاستقرئت الأحاديث في مجموعها وصيغتها كما سبق مع الشيخ عبد القادر عودة رحمه الله.
وقد أشار الإمام الطاهر بن عاشور لشيء من هذه التساؤلات بقوله : "ولم يستند لهذا الحديث أحد من الصحابة يوم السقيفة فهو حديث غريب وإن كان صحيحا ويحتمل أن يكون مسوقا مساق الخبر دون الأمر، وأيا ما فيه فقد وقع فيه قيد ما أقاموا الدين، على أن الأنساب قد داخلها من الاختلاط والادعاء ما يرفع اليقين بأن أحدا معينا من قريش." (34) ويؤكد ما أشار إليه الإمام الطاهر بن عاشور أن أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يوم السقيفة احتج بأن "العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش" ولو كانت الأحاديث بمثابة الأمر لالتزم الأنصار خاصة وبقية المسلمون عامة بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاحتج به القرشيون كحكم شرعي قبل أن يحتجوا بما هو من السياسة والحكمة وحسن إدارة الدولة.

ويسير ابن خلدون رحمه الله في تفسير تلك الأحاديث وفق نظريته في العصبية للقبيلة فيقول : "لأن قريشا كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب فيهم، وكان سائر العرب يعترف لهم بذلك، فلو جعل الأمراء من سواهم لتفرق لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم، ولا يقدر غيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف ولا يحملهم على الكره، فتفترق الجماعة وتختلف الكلمة، والشرع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم، بخلاف ما إذا كان الأمر في قريش. لأنهم قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم، فلا يخشى من أحد خلاف عليهم ولا فرقة، لأنهم كفيلون حينئذ بدفعها ومنع الناس منها، فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب، وهم أهل العصبية القوية، ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة، وإذا انتظمت بانتظامها كلمة مضر أجمع، أذعن لهم سائر العرب وانقادت الأمم سواهم إلى أحكام الملة، ووطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات واستمر بعدها في الدولتين إلى أن اضمحل أمر الخلافة وتلاشت عصبية العرب. فإذا ثبت أن شرط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطلبنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية، وهي وجود العصبية فاشترطنا في القائم على أمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة على من معها لعصرها، وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا، لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم، وهو مخاطب بذلك، ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه، ثم إن الوجود شاهد بذلك، فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم وقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفا للأمر الوجودي." (35) وهذا الرأي، أي رأي ابن خلدون، هو الذي تبناه أغلب المتأخرون من العلماء ممن جاؤوا بعده، فإن فيه وجاهة، إذ جمع بين السياسة والحكمة في عصور مجد قريش وبين التوافق مع روح الإسلام من نبذ التعصب للقبيلة وتمييز رجل على آخر بمجرد دافع النسب وبإطلاق. (36)

الحديث السابع :
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "علموا أبناءكم السباحةَ والرمايةَ، ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل، وإذا دعاك أبواك فأجب أمك" (37) وقال صلى الله عليه وسلم : "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا" (38) وما روي موقوفا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن "علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل".(39).

قد يأخذ هذه الأحاديث ضعيف بصيرة، فيفهمه الفهم المعجمي، إذا اقتبسنا عبارة الإمام يوسف القرضاوي، فيعد النبال لأبناءه ويحضر الخيول حتى يعلمهم الرماية وركوب الخيل في عصر تسابقت فيه الهمم لتعلم العلوم الكونية والإنسانية والأخذ بزمام الحضارة من جوانبها كلها، بل لعله يطمح لإنشاء دار لتعليم هذه الأمور زاعما أنه من أولئك الذين احيوا سنة مهجورة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيطمح أن يكون له أجر مئة شهيد. ولعلك تجد تلك الدار في بلد تقف على تخوم حضارة آخرى قد جعلت دورا لتعليم علوم الذرة والنووي وآخر الدراسات في سباق التسلح الذي يشهده العالم اليوم، في حين يعلم صاحبنا أبناءنا الرمي بالنبال وركوب الخيل ! وقلبه قد شغف بداره، ولا يتحرك عقله إذا ما رأى دور غيره وما تعمل وتعلم. ففي عقله طفرة بين هذه وتلك، فإنه بتعليم النبال يظفر بأجر مئة شهيد، ولكنه لا يظفر بشيء إذا ما أنشأ جامعة لتخريج العلماء ! فالأولى أولى، زعم، أو هكذا أفتى له مخبول عقله.

وليس في تلك الرياضة شيء لمن أرادها، ولكن هذا الفهم يدمي القلب حين تؤخذ مثل هذه الأحاديث التي يقصد بها الرسول صلى الله عليه وسلم أمرا عظيما، تراه يلقي بها في مجرد تعلم الرياضة لأنها رياضة، أو في أحسن الأحوال أن تجعل من قبيل السنة التي يقبل عليها الناس امتثالا لحديث النبي والأخذ به ظاهريا بالتفسير المقتصر على المعجم. وهذا الفهم الحرفي قد ذهب بألباب الكثير حتى جردوا الحديث عن إطاره الزماني والمكاني وجعلوا الأحاديث قسما واحدا. يكفيك أن تسمع ما تلوكه بعض الألسن من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تعمل به دون فهم ولا تدبر ولا إنزال في إطاره.

وإذا كنا نعلم أن اجتهاد هذه الفئة مرجوح ونسأل الله أن يثيبهم عليه بأجر، إلا أن اللامقبول هو حربهم الشعواء على جمهور العلماء المدافعين على السنة النبوية والشارحين لها على وجهها الصحيح، فما يلبثوا أن يجعلوهم محاربين للسنة منكرين لها كما حصل ذلك مع غير واحد ومنهم الإمام محمد الغزالي رحمه الله. فلا نملك إلا أن نقول : إن لم تستحي، فاصنع ما شئت. وليس مثل هذا التشنيع إلا بضاعة مهترئة من لغو لمن لا بضاعة علمية له.

والحقيقة أن تلك الأحاديث النبوية قد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حتى يقبلوا على تعلم الفنون القتالية ويطلبوها، وإن كان تعلم المبارزة بالسيف أمر لا يستحق إلى التذكير لأنه أدنى المراتب المطلوبة للمقاتل، فإن في تذكيرهم بركوب الخيل وتعلم الرماية وأمثالهما تنويه يجعلنا نفهم بعضا من الفنون التي حث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على تعليمها لأبناءهم منذ الصغر، فنفهم أنه قد وجد تقصيرا في ذلك فنوّه إليه أو ما في نحو هذا. فلا يكون الأمر النبوي بالتعليم منسحب على الأفراد، بله الجيوش، في عصورنا. (40)

الحديث الثامن :
"ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار" (41)
هذا حديث عام، تفسره أحاديث أخرى مفصلة أكثر فتقيده، مثل الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله : "من جر ثوبه خيلاء ، لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقال أبو بكر : إن أحد شقي ثوبي يسترخي ، إلا أن أتعاهد ذلك منه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لن تصنع ذلك خيلاء. " فكانت علة الحديث الموجبة للحكم هي التكبر والخيلاء، وقد كان من السائد حينها هذه الصفة الذميمة، فيجر الرجل ثوبه خيلاء متكبرا على ضعاف الحال ممن لم يجدوا رقعة يسترون بها عوراتهم. وهذا الذي قال به جمهور العلماء إلا الحنابلة فإنهم أطلقوا الحكم على كل من جر ثوبه. بيد أن الواضح من الحديث السابق ذكره وغيره من الأحاديث الصحيحة التي تنيط الحكم بالخيلاء والبطر تفيد أن الحكم لازم لمن اتصف بتلك الصفات الذميمة، ولو كانت بغير جر الإزار، أو في قميص، أو غير ذلك من أنواع التكبر المستحدثة في عصرنا، والله أعلم.

الحديث التاسع :
حديث : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال: رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره. " (42)
تأملت في هذا الحديث فوجدت الصحابي يستشكل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ويستوضحه في مقصده. فقد وعى أن الإسلام يدعوا لنصرة المظلوم ويحث على ذلك، أما الظالم فأنى لنا أن ننصره ونرفع بنصرته ظلمه ؟! هكذا طرح الصحابي السؤال على الرسول صلى الله ولعله سؤال قد اختلط بشيء من التعجب. تخيلت لوهلة إن ورد الجزء الأول فقط من الحديث ونقل لنا، كتلك الأحاديث التي أسقط شيء منها، فهل يظهر من يحتج به لنصرة الظالمين ؟ لا أستغرب ذلك، فإن القفز على مقاصد الشرع وسماته العامة بسبب عدم وضوح في حديث غير مستغرب. والمطلوب، أن يفهم المسلم بفطرته السليمة من الأمر النبوي "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" أن نصرة المظلوم إنما تكون بمنعه وردعه عن الظلم "فإن ذلك نصره". وهكذا ترشده فطرته الإسلامية السليمة _ إن صح القول _ إلى الأحكام المرادة من الشرع بتوافقها مع سمته العام ومقاصده.

الحديث العاشر :
حديث : " ...  ورجل تصدق بصدقة وأخفاها حتى لم تعلم شماله ما أنفقت يمينه." (43)

ولا يراد بهذا الحديث ألا تعلم الشمال ما انفقت اليمين، فإن كلتا اليدين لا تعقلان ولا تريان، فلا حكمة لمن يخفي يدا عن الأخرى. وإنما المراد أن ينفق في الخفاء حتى لا يراه الناس، وهو أفضل الإنفاق. " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم". (44)

والله أعلم.
---------------------------------------------------------------------------------
1: كتاب منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، صلاح الدين الإدلبي، ص58
2: كتاب منهج نقد المتن عند علماء الحديث للدكتور صلاح الدين الإدلبي، ص21
3: صحيح البخاري
4: صحيح مسلم
5: كتاب منهج نقد المتن عند علماء الحديث ص23
6: صحيح البخاري، ويخالف هذا الحديث ما روته ميمونة رضي الله عنها من أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوجها وبنى بها وهو حلال، رواه مسلم وأبي داوود والترمذي
7: ميزان الاعتدال للذهبي : 2 / 440 – 441
8: وهو أحد كبار المحدثين ممن قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل أنه أفقه من يحيى القطان
9: الرامهرمزي، المحدث الفاضل، ص316
10: تدريب الراوي للسيوطي 1/ 276 - 288
11: انظر كتاب منهج نقد المتن عند علماء الحديث، فصل أبواب المصطلح المشتملة على قواعد نقد المتن ص192 - 222
12: أخرجه الإمام ابن حجر العسقلاني في تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير وذكر أن خلاصة حكم الحديث حسن، وقد ضعفه الإمام الذهبي. يقول الإمام ابن حجر "لا شك أن طريق أحمد ما بها بأس وشاهدها حديث بريدة فالحديث حسن".
13: لم يكن كحركة للوضع، ولكنه وضع فردي لم ينتشر، فإن الوضع كحركة بدأ بعد الفتنة الكبرى.
14: صححه الإمام الألباني.
15: رواه الحاكم في المستدرك.
16: الزركشي، الاجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، صفحة 118 – 119
17: المرجع السابق، وهو أيضا من استدراك السيدة عائشة.
18: رواه الإمام البخاري.
19: ص 201 كتاب منهج نقد المتن عند علماء أهل الحديث.
20: رواه الإمام مسلم.
21: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي، ومن الألفاظ التي اخرجوها "إنما الشؤم في ثلاث ..."، "إن يكن من الشؤم شيء حق ففي ...".
22: الآية 22 من سورة الحديد.
23: الجامع الصغير للإمام السيوطي رحمه الله، حديث حسن.
24: صحيح الإمام البخاري رحمه الله.
25: السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني رحمه الله.
26: صحيح الجامع للشيخ الألباني، وروي في جامع العلوم والحكم موقوفا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
27: انظر المبحث الأول في تخريج الحديث من دراسة تحليلية نقدية في شروح العلماء لحديث الأئمة من قريش لعودة عبد عودة عبد الله.
28: سورة الحجرات.
29: رواه مسلم، وإن كان الحديث عن الإمامة في الصلاة فإنه تدرك منه روح التعامل في الإسلام مع الأعلم وضرورة تقديمه فما بالك في ما هو أعلى شأنا من إمامة الصلاة، الإمامة العظمى
30: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري 13/120.
31: يحيى إسماعيل، منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم ص274.
32: فيض القدير شرح الجامع الصغير 3/189.
33: الإسلام وأوضاعنا السياسية ص125، 126.
34: كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية.
35: المقدمة، ص195.
36: ومنهم من ذكر أنها شرط كمال لا شرط صحة، فخفف أثرها وجعلها بمثابة المستحب. لدراسة الأحاديث باستفاضة أكثر انظر "دراسة تحليلية نقدية في شروح العلماء لحديث الأئمة من قريش" لعودة عبد عودة عبد الله.
37: الإمام السيوطي، الجامع الصغير، حديث حسن. وذكره الزرقاني في مختصر المقاصد، حسن لغيره.
38: صححه الإمام السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الإمام الألباني.
39: وقد ضعف العلماء هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
40: لا يختلف هذا الحديث عن سابقه، فقرة الحديث السادس، فمن أزمنا بأن الأئمة من قريش أمر واجب، ألزمناه بوجوب تعلم رماية النبال !
41: صحيح الجامع للإمام الألباني.
42: صحيح البخاري.
43: حديث صحيح، ابن عبد البر في التمهيد.
44: سورة البقرة.

ملاحظة : لعلي أضيف أحاديث أخرى، متى يسر الله لي ذلك.


samedi 29 mars 2014

08- في منهجية فهم النصوص الشرعية : فقه الموازنات، فقه الأولويات وجدلية العقل والنقل

في نقد السلفية وضرورة التجاوز

08- في منهجية فهم النصوص الشرعية
فقه الموازنات، فقه الأولويات وجدلية العقل والنقل


في فقه الموازنات وفقه الأولويات :

قد علمت مما سبق أهمية الإحاطة بكل من علم الأصول وعلم المقاصد وكذلك ما للمصالح والمفاسد وإدراكهما من أهمية في نظر الفقيه. وهذا الباب متصل بما وقفنا عنده في المقال السابق ومرتبط به.

نقصد بفقه الموازنات إدراك الفرق بين فعلين، أو تعريف ذات الفعل تعريفا صحيحا إن كان مصلحة أو مفسدة، وقد مر علينا من كلام الإمام علال الفاسي رحمه الله أن ما غلبت المصلحة فيه ألحق بالمصالح وما تساوت فيه المفسدة والمصلحة أو غلبت الأولى ألحق بعداد المفاسد. ففقه الموازنات هو إدراك الفرق بين الأمر العظيم والأمر الهين، والتفريق بين المهم والأهم، والفصل بين السيئ والأسوء وإعطاء كل فعل درجته السليمة، فلا يكبر الصغير ويعلو، ولا يصغر الكبير ويحتقر. يقول الإمام يوسف القرضاوي في فقه الموازنات بأن مداره حول "الموازنة بين المصالح بعضها وبعض، من حيث حجمها وسعتها، ومن حيث عمقها وتأثيرها، ومن حيث بقاؤها ودوامها" وهو كذلك "الموازنة بين المفاسد بعضها وبعض، من تلك الحيثيات التي ذكرناها في شأن المصالح" وهو أيضا "الموازنة بين المصالح والمفاسد، إذا تعارضتا". (1)

أما فقه الأولويات فهو الدرجة الثانية التي تلي فقه الموازنات، فلتحقيقه ينبغي إدراك الدرجة الأولى أولا وتحصيلها من حيث أنها معرفة الأفعال في حد ذاتها وإدراك كنهها، وكذلك معرفة الواقع والإلمام به لمعرفة أي الأفعال أولى وأيها تستحق التقديم ولا تحتمل التأخير وأيها السابق وأيها اللاحق، فرب فعل ذا بال ينبغي أن يؤخر ورب صغير لا يقوم الكبير إلا به. ولا أجد أفضل من قاعدة "ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب" للتعبير عن جانب مما يعنيه فقه الأولويات. فإنك تجد أن الطهارة شرط لصحة الصلاة ففي فقه الأولويات هذه الوسيلة ينبغي أن تسبق غايتها. وكذلك فإن الجهاد قد يكون مرادا في حد ذاته وإعداد العدة وسيلة له فتقاس على ما سبق فيقدم الثاني لأنه شرط تحقيق الأول رغم أنه ليس مرادا لذاته. وإن حمل طفل أمر ليس ذا بال مقارنة بالصلاة إذا ما وازنّا كنه الأفعال مجردة، فترجح الكفة للصلاة، إلا أنه يكون حمله ذا أهمية أكثر وأولى إذا ما كان الواقع ينبئنا بخطر تجاه الطفل كسقوط أو غيره، ففقه الأولويات يضيف إلى كفة ذلك الفعل المجرد معطى واقعيا فترجح تلك الكفة. ولعلي شريعتي قول مشهور في هذا الصدد إذ يقول "عندما يشب حريق في بيتك، ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع الى الله، ينبغي عليك ان تعلم أنها دعوة خائن، فكيف الى عمل آخر؟ فالإهتمام بغير إطفاء الحريق، والإنصراف عنه الى عمل آخر، ما هو إلا إستحمار". (2) ويتبين لك مما سبق وجاهة فعل الصحابي أبا برزة الذي قطع صلاته لإدراك فرسه ورجاحة رأيه على رأي من لامه وعذله.

وإذا شئت قلت أن فقه الموازنات وفقه الأولويات إذا جمعناهما يكوّنان الفقه الذي يحدد حالات العمل بقاعدة (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة) وقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، ولولاهما تكون القاعدتين بين يدي أصحاب الأهواء بصنفيهما : إما جناح التشدد ممن لا يؤمنون إلا بالقاعدة الأولى ولا يعملون إلا بها، أو أصحاب الرخص ممن لا يرون إلا القاعدة الثانية ولا تدور اجتهاداتهم إلا حولها. فإذا حضر فقه الموازنات وأتبعَ بفقه الأولويات اهتدينا إلى التوفيق في اختيار القاعدة المناسبة لحالتها المناسبة. ولولا ذلك لوجدنا قوما اعتزلوا الناس ولم يسعوا لمصلحة بل لم يبرحوا دورهم زاعمين أن درء مفاسد خروجهم للمجتمع مقدم على تحقيق أي مصلحة وكلما حدثتهم عن الضرورات والأولويات وفقه الواقع والنظر إلى المآلات رموا إليك قاعدتهم التي أخذوها بإطلاق. وآخرون على طرف النقيض، نفعيين براغماتيين اتخذوا المصلحة بوصلة داروا حيث دارت واتجهت دون ضابط، فصارت هي غايتهم بعد أن كان غايتهم الشرع، وكلما حدثتهم عن غاية الشرع وأن الأخذ بالرخص ينبغي أن يكون بضوابط مدروسة ولا يطلق على عواهنه وأن الأخذ بالعزيمة له شأن وبال وإلا أصبحنا فريسة للاستسلام والمهانة رموا إليك قاعدتهم المعلومة وحدثوك عن الضرورات. وعند التدقيق تجد الفريقين سيان في النظر فكل واحد فيهم أطلق قاعدته بشكل فاحش وغير مضبوط ولا مدروس.

وهذا الفقه ينبغي ان يؤخذ بكليته لا بجزء منه دون جزء، ويطبق في جميع المجالات التي يشملها لا أن يطبق في مواضع دون أخرى فيؤخذ به في ما يتعلق بالفقه والمعاملات اليومية والفردية، ويلفظ إذا ما تعلق الأمر بالسياسة الشرعية وبناء المجتمع وتشييد الدول. كما أن فقه الأولويات يمتد ليشمل أولوية الكم على الكيف، وأولوية العلم على العمل، وأولوية الفهم على مجرد الحفظ، وأولوية المقاصد على الظواهر، وأولوية الاجتهاد على التقليد، وأولوية التخصصات بالنسبة للأفراد فالمبدع في العلوم الإنسانية وجب عليه الاشتغال عليها والتوغل فيها أكثر والغني وجب عليه تقديم تشييد المصانع والجامعات وتحصيل وإنفاق ماله في ما ينفع الأمة فيقدم هذا على الاشتغال بالعبادات البدنية، وغير ذلك من الأولويات فهو باب واسع عظيم، وكل ذلك إنما يتفرع عما تعرضنا إليه من قضية المصالح والمفاسد. (3)  فكما أن الشرع والعقل والفطرة السليمة تدلنا على ضرورة تحصيل المصلحة الأكبر على حساب المصلحة الأصغر، فإنه يدلنا أيضا على إصابة المفسدة الأدنى على حساب المفسدة الأكبر إذا لم يكن مفر منهما، مع إيماننا الجازم أننا في مفسدة لا يتغير وصفها فتزين ونلبسها لبوسا محرفا لحقيقتها، وكذا الموازنة في الفعل ومآلاته واتحاذ الأحكام بعد دراسته دراسة وافية من جميع جوانبه ثم الموازنة وتفعيل فقه الأولويات.

يقول الإمام يوسف القرضاوي : "إن المصالح إذا تعارضت فوَتت المصلحة الدنيا في سبيل المصلحة العليا، وضحي بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة، ويعوض صاحب المصلحة الخاصة عما ضاع من مصالحه، أو ما نزل به من ضرر وألغيت المصلحة الطارئة لتحصيل المصلحة الدائمة أو الطويلة المدى، وأهملت المصلحة الشكلية لتحقيق المصلحة الجوهرية، وغلبت المصلحة المتيقنة على المظنونة والموهومة ... وإذا تعارضت المفاسد والمضار ولم يكن بد من بعضها، فمن المقرر أن يرتكب أخف المفسدتين، وأهون الضررين. هكذا قرر الفقهاء : أن الضرر يزال بقدر الإمكان، وأن الضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه، وأنه يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. ولهذا أمثلة وتطبيقات كثيرة ذكرتها كتب (القواعد الفقهية) أو (الأشباه والنظائر). وإذا تعارضت المصالح والمفاسد، أو المنافع والمضار، فالمقرر أن ينظر إلى حجم كل من المصلحة والمفسدة، وأثرها ومداه، فتغتفر المفسدة اليسيرة لجلب المصلحة الكبيرة. وتغتفر المفسدة المؤقتة لجلب المصلحة الدائمة والطويلة المدى. وتقبل المفسدة وإن كبرت إذا كانت إزالتها تؤدي إلى ما هو أكبر منها. وفي الحالات المعتادة : يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة. وليس المهم أن نسلم بهذا الفقه نظرياً، بل المهم كل المهم أن نمارسه عمليا. فكثير من مسببات الخلاف بين الفصائل العاملة للإسلام، يرجع إلى هذه الموازنات." (4)

وقال الإمام عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف في كتابه القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير :
 (إن مدار الشريعة على جلب المصالح ودفع المفاسد، وعلى أن الأصل في كل مصلحة تحقيقها وإيجادها، وأن الأصل في كل مفسدة دفعها ومنع حصولها.
 فإذا تزاحمت مصلحتان بحيث لم يمكن تحصيلهما معا نُظر في ذلك إلى أعلى المصلحتين بتحصيلها، وإن ترتب عليه إهدار المصلحة الأخرى التي هي دونها.
 وإذا تزاحمت مفسدتان بحيث لم يمكن دفعهما معًا نظر في ذلك، إلى أعلى المفسدتين بدفعها وإن ترتب عليه ارتكاب المفسدة الأخرى التي هي دونها.) (5)

في العلوم الإنسانية :

إن العقل الإسلامي عامة، والعقل السلفي خاصة، يجعل هذه العلوم في مراتب دنيا، بل ربما نظر إليها باحتقار وازرداء يصل في كثير من الأحيان إلى حدود تحريمها. فقد تجعل العلوم القانونية والسياسية من قبيل العلوم الوضعية المخالفة للكتاب والسنة المحرمة، وقد تحرم أيضا العلوم الاجتماعية والفلسفة والإقتصاد ودراسة المجتمعات الأخرى أو تجعل في أفضل الأحوال من قبيل العلم الذي لا يضر ولا ينفع ولا يكترث به. وما ذاك إلا لقصور في العقل الإسلامي ككل عن أهمية هذه العلوم، ولو علموا ما لهذه العلوم من تأثير في اختيار الفقيه وموازنته بين الأحكام لأقبلوا عليها ودرسوها. وإن هذه العلّة تظهر لك بصورة أوضح وأعمق في العقل السلفي، مع عدم تبرئة العقل الإسلامي ككل من إصابته بهذه العلة على تفاوت وربما لإعتبارات أخرى غير التي ذكرت.

إنك تجد الفقيه لا يعزم على فتواه إذا ما تعلق الحكم بمريض إلا إذا رجع لرأي طبيب دارس عارف بحال مريضه. وإن سألته عن سبب ذلك روى لك حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أنّ رجلاً أصابه جرح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُمِر بالإغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العيّ السؤال !" (6) في حين تجد كثيرا من الفقهاء يبنون الأحكام ويقطعون فيها ويغلفونها بأغلظ الإيمان إذا ما تعلق الأمر بالإقتصاد أو بحال المجتمع أو بالسياسة الشرعية أو بالموازنات الإقليمية دون أن يعود بالنظر إلى رأي خبير في المجال، ولا يخشى بفتواه تلك أن يصيب أمة بجهل منه فيقتلها أو يرديها في مرض شديد. فأيهما أولى بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم "قتلوه قاتلهم الله" ؟ من قتل فردا أو من قتل أمة ؟ !  

وليس هذا الباب منفصلا عما سبق، فإننا كنا بصدد عرض الموازنات والأولويات، وإن دراسة الواقع واستنباط الأحكام بما عرضنا من علوم حسبه يحتاج إلى نظرة علمية دقيقة في المجال الذي نخوض فيه. ذلك أن الحكم على الشيء فرع من تصوره فإن كان التصوّر مشوها كان الحكم كذلك.

والحق أن الإسلاميين مطالبون بإعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية وإنزالها منزلتها العظيمة والمهمة وإلا تفرعت أكثر اختلافاتهم وتشتت كلمتهم ولم يثبتوا على حال. فإن هذه العلوم مع ما لها من شأن كما ذكرت في استنباط الأحكام فإن لها شأن أيضا في تحديد الخلاف أو في تقليصه، فكلما استندنا عليها في ما عرض لنا من وقائع علمنا المصلحة من المفسدة وفرقنا بين المصلحة المتوهمة من المصلحة المرتقبة وكذا بالنسبة للمفسدة. فكان حكمنا مبني على دراسات علمية لا مجرد أوهام أو أهواء، وبهذا نتجنب غلو الفرقتين اللتان تعرضنا لغلوهما في القاعدتين في ما سبق. فتكون بهذا أحكامنا أقرب إلى اليقين وأبعد على الظنون.

ولا غرو أن يكون حال هذه العلوم على هذه الدرجة من المهانة إذا ما اختل فقه الأولويات عندنا، فترى كثيرا مشتغلا بما لا ينفع على حساب هذه العلوم، أو يغوص في دقائق المسائل ومستعصيات الإشكاليات الفقهية وربما حيلها في حين أنه يجهل أبسط قواعد العلوم الإنسانية. أو تجد من يتصدق لبناء مسجد ويعد ذلك من القربات العظيمة، وهي كذلك، ويغفل أن بناء الجامعات أو المصانع أو مراكز البحث أيضا من أشد القربات إلى الله. ولك أن تقارن بين من جعلوا جزء من أموالهم في نفقة المساجد وتزيينها وزخرفتها أو من أنفقوا أموالهم في العبادات كالحج المتكرر والنوافل وما إلى ذلك، وبين من جعلوه في مراكز الأبحاث والجامعات والبحوث العلمية أو حتى الإنفاق على طلبة العلوم ! وتجد كذلك أننا نعتقد ضرورة تعلم علوم الشرع وإتقانها، وهي ضرورية وأغلبها فرض كفاية، ونغفل أن العلوم الإنسانية جلّها أيضا : فرض كفاية !  

وما أجمل ما يقوله الإمام يوسف القرضاوي واصفا هذه الإشكالية : "هذا الخلل الكبير الذي أصاب أمتنا اليوم في معايير أولوياتها، حتى أصبحت تصغر الكبير، وتكبر الصغير، وتعظم الهين، وتهون الخطير، وتؤخر الأول، وتقدم الأخير، وتهمل الفرض وتحرص على النفل، وتكترث للصغائر، وتستهين بالكبائر، وتعترك من أجل المختلف فيه، وتصمت على تضييع المتفق عليه .. كل هذا يجعل الأمة في أشد الحاجة، بل في أشد الضرورة، إلى فقه "الأولويات"، لتبدئ فيه وتعيد، وتناقش وتحاور، وتستوضح وتبين، حتى يقتنع عقلها، ويطمئن قلبها وتستضيء بصيرتها، وتتجه إرادتها بعد ذلك إلى عمل الخير وخير العمل." (7)



علماء الأمة : فقههم بالأولويات وإحاطتهم بالواقع

ومن قبسات العلماء في عملهم بفقه الأولويات في العصر الحديث تجربة الإمام محمد بن عبد الوهاب فقد كانت الأولوية الكبرى عنده تصفية العقيدة مما شابها من الخرافات والبدع والشركيات فنقّاها واشتغل بها عن غيرها وعمل من أجلها وكرس وقته لذلك. وكانت أولوية الإمام جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده أن اشتغلا بإيقاظ الأمة من غفلتها وتجديد الفكر الديني والنهوض بهمة العلماء من أجل ذلك ونشر مطلب التحرر والوحدة في أبناء الأمة والعمل على إصلاح المنظومة التعليمية. وكانت من أولوية الإمام حسن البنا إقامة جيل رباني يأخذ الإسلام بشموليته وبأبعاده جميعها لإحياء الخلافة ويؤسس للعقلية التنظيمية في العمل الإسلامي ويصحح مفاهيم قد انحرفت ويحارب فكرة أن الدين عقيدة بلا شريعة ودينا بلا دولة وحقا بلا قوة وسلاما بلا جهاد، فبث في الناس أن الإسلام عقيدة وشريعة، ودينا ودولة، وحقا وقوة، وسلاما وجهادا، ومصحفا وسيفا، أي أنه بث فيهم شمولية الإسلام. وكانت أولوية الإمام المودودي والسيد قطب رحمهما الله أن يردا الفكر المتغرب بالحجة والبرهان ويبنيا جيلا مقبلا على حاكمية المولى متجذرا في الفكر  الإسلامي فيزرعان فيه الافتخار بالعقيدة الإسلامية وأحكامها وازدراء الجاهلية الحديثة وآفاتها. (8) وكذا كان مشايخ الزيتونة في تونس ونذكر منهم الشيخ محمد قابادو ورائد الإصلاح الديني الشيخ سالم بوحاجب وتلميذه الشيخ محمد النخلي والشيخ محمد السنوسي والشيخ محمد المكي بن عزوز والزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي والشيخ الإمام الطاهر بن عاشور ونجله الشيخ الفاضل بن عاشور، وغيرهم، عليهم رحمة الله جميعا. فإن كل اسم من هذه الأسماء مدرسة تستحق تجربته الدراسة وإيلاءها الإهتمام اللازم.  ولئن كانت لهم اهتمامات مست مختلف المجالات وتطرقت لمسائل عديدة إلا أن الجهود تكاملت وتضافرت. فقد كثرت النقائص التي اعترضتهم فأوجب عليهم واقعهم العمل لأمور شتى لسدها وملئها فكلها من قبيل الأولويات التي هي أسّ البناء. فارتأى بعضهم الاعتناء بالعلم وتطوير أساليب تحصيله ونشره فضلا عن توسيع دائرة المواد بإيراد علوم أخرى ذات أهمية أو تنقيح بعض الفصول. واهتموا كذلك بالعمل السياسي والنقابي والإجتماعي والتعريف بالقضية التونسية فكان لهؤلاء الأعلام فضل في التعريف بها مشرقا ومغربا وفي إنشاء الجمعيات العلمية والمساهمة في الحركة الفكرية في البلاد وبلورتها وتوجيهها دون أن ننسى الدور البارز في مقاومة المحتل منذ السنوات الأولى للاستعمار (9). المدرسة الصادقية، حركة النشر في البلاد التونسية (الجرائد، المجلات، الكتب ...)، الحزب الدستوري الحر، نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل، فرع جمعية العروة الوثقى، مدرسة الخلدونية،  ... إلخ. كل هذه الهيئات والأعمال والإنجازات كانت ثمرة من ثمار مشايخ الزيتونة وكلها كانت من قبيل الأولويات عندهم مما فرضته التحديات وأوجبته الضرورة.

فقد أدرك علماء الأمة هذه المسائل وأهميتها فعالجوا إشكاليات واقعهم فتبصروا فيه ولم ينفصلوا عنه، وهذا مما ينبغي أن ينتبه إليه أبناء الصحوة الإسلامية فدراسة تجارب العلماء ينبغي ألا تكون منفصلة عن واقعهم وما عايشوه وما كابدوه. فإن استنساخ تجاربهم بحذافيرها قد يكون غير مجد في واقع له معطيات مخالفة ومغايرة، أو قد تتغير الأولويات وتنقلب المعادلات فيكون تسليط الضوء على جوانب أخرى قد تضمر وتقل سهامها في تجاربهم، تكون له أهمية عندنا وله الأولوية حسب معادلة فقه الأولويات.

في علاقة العقل بالنقل :

إن ما تعرضنا له قبل هذا الباب يندرج، أغلبه، ضمن ما وردت فيه النصوص الشرعية، فتعرضنا لكيفية تصرف الفقيه في النصوص وطرق استقراء المقاصد الشرعية وباب المصالح والمفاسد وكل من علم الموازنات والأولويات، والنسبة الأكبر من ذلك إنما هو فقه للنصوص وحسن فهمها وإنزالها في موضعها السليم، فكله مبني على تلك النصوص وبما استنبط من ذات النصوص من أصول ومقاصد وأحكام. ورغم أن ما مر علينا من منهجية في التعامل مع النصوص يقلص في الهوة التي يمكن أن تصطنع في إبعاد النقل على العقل ويضفي توازنا يصل إلى حد التطابق بينهما في أحيان كثيرة، إلا أننا نحتاج لمزيد ايضاح هذه القضية خاصة في بعض النقاط التي لم نتعرض لها.

لقد جاءت الشريعة الإسلامية منظمة لحياة الإنسان ومرتبة لها، ولكن توجيهات النصوص محدودة بينما ما يطرأ على حياة الإنسان من أحداث وقضايا مستمر التجدد والتعدد. ومن جانب آخر، فإن النصوص ليست كلها قطعية الدلالة، بل فيها ما هو قطعي وفيها ما هو ظني يحتمل وجوها من المعاني كما أن فيها ما يستجد من القضايا وليس له ذكر ولا نص يهتدى به، فكيف يقضي المسلم في ذلك وهو لا ينتظر وحيا يسدده أو خبرا من السماء يرشده ! فكانت هذه الإشكالية في الفكر الإسلامي سببا لبحث جدلية العقل والنقل وكانت الأسئلة الأساسية التي تطرقت إليها مدارس الفكر الإسلامي المتفرعة من الإشكالية هي التالية : (10)
- هل أفعال الإنسان تحمل قيمة ذاتية ثابتة أم قيمتها تضفى عليها من قبل الشارع ؟
- هل وسيلة التقييم وكشف قيمة الفعل هي الشرع وحده أم العقل وحده أم هما مشتركين، وبأي قدر يكون ذلك الإشتراك ؟
- ما هي جهة الإلزام بالفعل فعلا وتركا ؟ الشرع ؟ العقل ؟ أم هما شريكان ؟ وبأي قدر يكون الإشتراك ؟
- ما هي الجهة التي تقدر الجزاء على الفعل ثوابا وعقابا ؟ الشرع ؟ العقل ؟ أم هما شريكان ؟ وبأي قدر يكون ذلك الإشتراك ؟

فكانت هذه الأسئلة هي ما يدور عليه البحث وتتعرض إلى كبد الإشكالية، فألفت في ذلك الكتب والبحوث وأفردت لها المصنفات. وإن إفرادها بذلك ليس من قبيل الأمور الاعتباطية والإيغال في الجدل العقيم. وإنما كان من أسباب طرح هذا الموضوع تطور الحياة وظهور صور مستجدة ومستحدثة اقتضت البحث في مكانة العقل في موازنة ربط المستجدات وما استحدث من مسائل بالشرع، فكانت هذه ضرورة عملية. وكان أيضا للجانب العقدي والتفاعل مع الثقافات الأخرى شأن مهم في ذلك، لتحديد مكانة العقل في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وضبط دوره.

وخلاصة البحث في هذا الموضوع تحيلنا إلى النقاط الذي ذكرها الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه مراجعات في الفكر الإسلامي، ملخصها أن :
- الأفعال الإنسانية تنطوي على قيمة ذاتية، وهذا ما قرره الإمام ابن تيمية وقد وافق فيه المعتزلة وهو خلاف ما قرره الأشاعرة خاصة منهم الأقدمون. وقيمة تلك الأفعال تندرج ضمن المشيئة الإلهية التي بنت الكون على الحكمة.
- الوحي هو المصدر الأول في كشف قيمة الأفعال فيميز الحسن من القبيح وما هو صالح وما هو ضار.
- العقل مناط التكليف الذي خلقه المولى للإنسان فجعله مهيئا للكشف عن قيمة الأفعال وتقديرها. وهو المعين في تدبر النصوص وفهمها والتمييز بين مراتبها في حالة ورود النص أو في القياس والاستنباط في غير ذلك.
- دور العقل في التقييم دور نسبي، ففي حال ورود الشرع بالتقييم يكون دور العقل الاستيعاب وحسن الفهم، وإن لم يرد فإن للعقل دور التقييم والتمييز والتمحيص.
- إيجاب الأفعال مما يختص به الشرع وحده، وفي حال عدم ورود النص فإن العقل يكون دوره الكشف والبحث عن الحكم الشرعي. وكذا بالنسبة لمسألة الثواب والعقاب. (11)

ففي حال عدم ورود النص، فمن المسلم به أن للعقل دور بارز سواء أكان ذلك في القياس أو في إدراك مآلات الفعل وآثاره. كما أنه من المسلم به أيضا أن في حال ورود النص الصحيح الصريح، فإنه لا يسع المؤمن إلا التصديق والإيمان بعد أن قضى الله في الفعل وكشف الشرع عن الحكم فيه. وإن الذي يهمنا في القضايا العقلية هي القضايا العقلية القطعية، لا المختلف فيها التي يؤخذ فيها ويرد، أي أن الذي يهمنا هي مثل ما يمكن إدراكه بالعقل من أن الله تعالى لا يحب الظلم، أو وجوب إرساء العدل في المجتمع، أو عدم حاجة الخالق للمخلوق، وغير ذلك مما يتفق عليه العقلاء. وإن مكمن الإشكال في غير ما ذكرنا مما يتفق عليه المسلمون، ولإدراك ذلك وجب تقسيم النصوص إلى أربعة أقسام : (12)
القسم الأول : قطعي الورود قطعي الدلالة، وهي نصوص القرآن الكريم والسنة المتواترة الدالة على المعنى المُسـتدل بها عليه دلالة واضحة بينة قطعية.
القسم الثاني : قطعي الورود ظني الدلالة، وهي نصوص القرآن الكريم والسنة المتواترة الدالة على المعنى المستدل بها عليه دلالة ظهرت ولاحت للمستدل ولكنها غير قطعية. 
القسم الثالث : ظني الورود قطعي الدلالة، وهي نصوص السنة التي وصلتنا بطريق آحادي ودلت على المعنى المستدل بها عليه دلالة واضحة بينة قطعية.
القسم الرابع : ظني الورود ظني الدلالة، وهي نصوص السنة التي وصلتنا بطريق آحادي ودلت على المعنى المستدل بها عليه دلالة ظهرت ولاحت للمستدل ولكنها غير قطعية 

فإن التعارض بين قضية عقلية قطعية، ونص قطعي الورود وقطعي الدلالة مما لا يتخيل ولا يقع، فكلاهما من قبل الحقائق ولا يمكن للحقائق أن تتعارض. ويمكن أن يقع التعارض بين قضية عقلية قطعية وبين نص قطعي الورود ظني الدلالة، وهنا نحمل النص على التأويل وحمله في دلالته السليمة التي لا تخالف صحيح العقل فلا نصادم به الحقائق، وذلك من قبيل ما فهم البعض من القرآن الكريم أن الأرض مبسوطة وصادم الحقائق فكذّب "المهندس والمنجم" وزعم أن عند أولي النهى الأرض مسطحة مبسوطة لا كروية ! (13) أو كما يفهم البعض من آية (وهو معكم أينما كنتم) (14) أن الله تعالى مع خلقه معية تواجد فيوافق بذلك مذهب الحلوليين، فيعارض حقيقة عقلية قطعية وهي أن الخالق لا يحل في خلقه، فوجب إذا حمل الآية على وجهها السليم. وهذا هو دور العقل المعين على فهم النصوص واستيعابها وحسن فهمها. كذلك يتوقع حصول تعارض في القسم الثالث بين قضية عقلية قطعية وبين نص ظني الورود قطعي الدلالة وهنا لا يمكن أن يقدم الحديث الضعيف والأثر الظني ويقرب على القضايا العقلية الواضحة الصريحة فإن العقل الذي دلنا على طرق المحافظة على النصوص ووصولها سليمة لتدوينها بعد ذلك هو ذاته يدلنا على إمكانية وقوع الخطأِ للرواة في عملية النقل، فلا بد إذا أن يكون للمتن والتحقق فيه جانب مهم أيضا مع التثبت من السند. وأما القسم الرابع فإن طريقة التوفيق بينه وبين القضايا العقلية القطعية تكون إما بتأويله أو بحمله على أنه خطأ من بعض الرواة. (15)

ولحجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله قول نفيس في هذا الصدد، لا أجد أحسن ولا أفضل منه لأختم به هذا الفصل، إذ يقول رحمه الله تعالى في كتابه الإقتصاد في الإعتقاد ما نصه : "[إن أهل السنة قد] تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول وعرفوا أن من ظن من الحشوية وجوب الجمود على التقليد، واتباع الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وإن من تغلغل من الفلاسفة وغلاة المعتزلة في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط. بل الواجب المحتوم في قواعد الاعتقاد ملازمة الاقتصاد والاعتماد على الصراط المستقيم؛ فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. وأنى يستتب الرشاد لمن يقنع بتقليد الأثر والخبر، وينكر مناهج البحث والنظر، أو لا يعلم أنه لا مستند للشرع إلا قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر، وكيف يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل واقتصر، وما استضاء بنور الشرع ولا استبصر ؟ فليت شعري كيف يفزع إلى العقل من حيث يعتريه العي والحصر ؟ أو لا يعلم ان العقل قاصر وأن مجاله ضيق منحصر ؟ هيهات قد خاب على القطع والبتات وتعثر بأذيال الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع والعقل هذا الشتات. فمثال العقل البصر السليم عن الآفات والاذاء. ومثال القرآن الشمس المنتشرة الضياء. فاخلق بأن يكون طالب الاهتداء. المستغني إذا استغني بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء، فالمعرض عن العقل مكتفياً بنور القرآن، مثاله المتعرض لنور الشمس مغمضاً للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور." (16)





1: كتاب أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة (فصل فقه الموازنات)
2: علي شريعتي، النباهة والاستحمار
3: وكل ما ذكرت من الأولويات فصول من كتاب الإمام يوسف القرضاوي فقه الأولويات، قد أطنب الإمام في الحديث حولها ومعالجتها، كما ذكر فصولا أخرى كثيرة ليس المجال لذكرها والتفصيل فيها
4: كتاب أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة (فصل فقه الموازنات)
5: عبد الرحمان بن صالح العبد اللطيف؛ كتاب القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير ص : 1: 93-94. وقد عد الإمام عبد الرحمان هذه القاعدة من القواعد الأساسية في الفقه (ص100) وذكر أن بعض العلماء قد رد أحكام الفقه كلها إلى قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد. (انظر ص100 وقد أحال أيضا إلى قواعد الاحكام 1/11 والأشباه والنظائر 1/12)
6: صحيح الإمام البخاري رحمه الله
7: ص24 كتاب من فقه الاولويات
8: انظر كتاب فقه الأولويات للإمام يوسف القرضاوي ص261 وما بعدها
9: الزعيم عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الدستوري الحر. الشيخ الفاضل بن عاشور أحد مؤسسي الاتحاد العام التونسي للشغل
10: كتاب مراجعات في الفكر الإسلامي للدكتور عبد المجيد النجار، صفحة 102
11: كتاب مراجعات في الفكر الإسلامي، فصل أحكام الدين بين العقل والنقل، صفحة 100 وما بعدها
12: كتاب عقائد الأشاعرة، الشيخ صلاح الدين الإدلبي، صفحة ...
13: أشير إلى نونية القحطاني في قوله : كذب المهندس والمنجم مثله فهما للعلم مدعيان .. الأرض عند كليهما كروية وهما بهذا القول مقترفان .. والأرض عند أولي النهى لسطيحة بدليل صادق القرآن. ولا يزال البعض يردد هذه الأبيات دون تنقيحات متبجحا بزعمه أن صادق القرآن يدل على سطحية الأرض ! كبرت كلمة تخرج من أفواههم
14: الآية .. المجادلة
15: كتاب عقائد الأشاعرة، الشيخ صلاح الدين الإدلبي، صفحة ...
16: كتاب الإقتصاد في الاعتقاد، الإمام أبو حامد الغزالي، صفحة 2 و3