Affichage des articles dont le libellé est نقد. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est نقد. Afficher tous les articles

jeudi 12 juin 2014

09- أحاديث على ضوء منهجية الفهم

في نقد السلفية وضرورة التجاوز

09- أحاديث على ضوء منهجية الفهم

إشارة لا بد منها :
إن السنة النبوية هي الأصل الثاني الذي يعتمده الفقيه في استنباط الأحكام. وإن كان القرآن متواترا محفوظا في الصدور والسطور فإن الحال يختلف مع السنة النبوية من حيث درجة التواتر والقوة. فإن توثيقها كان بعد فترة طويلة من العهد النبوي، مما يسر على المدلسين وضع الأحاديث ودسها على المسلمين. ومرد ذلك أن المسلمون في أوائل عهدهم لم يكونوا مقبلين إلا على القرآن والسنة معرضين على ما دون ذلك حتى ولو كان من اجتهاد العلماء والفقهاء (1)، فلم يكونوا يطمئنون إلا لما اتصل اتصالا وثيقا بالكتاب والسنة، فلم يجد المدلسون مدخلا لبث ما عندهم إلا عن طريق السنة النبوية. فبثوا فيها الحكم الهندية والزردتشية والأقوال النصرانية والإسرائيليات والأحكام الفقهية المفترات وغير ذلك.
لكن العلماء قد اهتموا بتحقيق الأسانيد وضبطها، وابتدعوا في ذلك مناهج قيمة لتمييز الأحاديث السقيمة من السليمة، وكان انتاجهم العلمي في هذا الموضوع عاليا فألفت الكتب ووضعت المناهج في ذلك. بيد أن الإنتاج العلمي في تحقيق متون الأحاديث كان أضعف وأقل حظا من تحقيق أسانيدها. مما جعل جوين بول صاحب مادة الحديث في دائرة المعارف يكتب فصلا بعنوان نقد المسلمين للحديث، فتناول فيه نقدهم للسند دون أن يتحدث بحرف عن نقدهم للمتن ومنهجهم فيه. وقد ذكر أحمد أمين في مؤلفاته فجر الإسلام وضحى الإسلام شيئا يحيل إلى القضية التي ذكرناها من طفرة شاسعة بين نقد السند ونقد المتن.
ولهذا فإننا نجد "الكلام في هذا الموضوع قليلا، حتى أن الذين مارسوا هذه الطريقة من النقد، قلما يتكلمون في أصولها ومناهجها، بل يكتفون بالكلام الذي فيه ممارسة لها فقط، بخلاف النقد الإسنادي وما يتعلق به من جرح وتعديل، واتصال وانقطاع، وما إلى ذلك، فإنه أشبع بحثا، وكتبت فيه الكتب الكثيرة، ولم يكتب في نقد المتن إلا النزر اليسير." (2)

إني أجد التنويه ضروريا على هذه المسألة، وأعدها تكملة للفصول السابقة وعلامة أخرى مؤكدة على أهمية فهم الحديث على ضوء الأصول الراسخة، فوجب إثر ذلك إلحاق الفروع بأصولها. وهو منهج السيدة عائشة رضي الله عنها التي كانت حريصة على الفهم ومقابلة الكتاب بالسنة وحريصة على عدم التعارض بينهما، حتى مارست ذلك البحث الاجتهادي بين يدي رسول الله لما سمعت حديثه "ليس أحد يحاسب حتى هلك" فاستشكل عليها الفهم وسألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى "فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا" حتى يجلي لها التعارض الذي لاح لها، فوضح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك "إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك" (3) ومثلها حفصة رضي الله عنها وأرضاها لما سمعت "لا يدخل النار أحد ممن شهد بدرا والحديبية" فاستشكل عليها وقالت أليس الله يقول : وإن منكم إلا واردها. فأجابها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى "ثم ننجي الذين اتقوا ونذروا الظالمين فيها جثيا". (4)

حري بطلبة العلم أن يترسخ في أذهانهم هذا المنهج التحقيقي لما بين أيديهم من نصوص، وأن يرتبوا أذهانهم بالأصول أولا بأول، ويجعلوا المقاصد الشرعية في أعلى المراتب حتى لا يستشكل عليهم حديث طاعن فيها فيأخذوا به ويذروا ما أصّلت عليه تلك المقاصد أو الأصول أو ما علم من الدين واشتهر، أو مخالفة لما يتفق عليه العقلاء، أو مخالفة بين نصين فيكون القرآن الباب الأول للحكم على الأحاديث لتواتره وثبوته وقوته.
ووجه أهمية هذا أن بعض طلبة العلم يتهيبون من مخالفة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم غافلين عن دقائق الرواية، وحسبوا أن تحقيقهم للحديث متنا ثم فهمه على وجهه السليم إنما هو من قبيل الاعتراض على قول النبي ومخالفة أمره. وليس هذا النظر سليما، إذ أن الأخذ بالأحاديث الموضوعة والتساهل في تحقيقها أشد خطورة من التدقيق فيها وإنزالها محل النظر والتحقيق، ذلك أن إضافة حديث قد يساوي إضافة حكم، وحذف حديث قد يكون حذف حكم، وكلاهما شديد الخطورة، بيد أن الإضافة أشد، فإن نقص أثر من المدونة الحديثية الواسعة غالبا ما يهتدى في غيابه بأحاديث أخرى تؤدي معناه، أما الإضافة قد تكون بابا للطعن في الإسلام أو بابا لتعارض الحديث مع القرآن أو أحاديث أخرى أو إضافة حكم لا أثر آخر في موضوعه للبحث فيه أو تفسير آية على غير مرادها أو غير ذلك. "فالخوف من النقص إن لم يكن أقل من الآخر خطرا فهو إن شاء الله ليس أكثر منه، والله أعلم." (5). والمُلاحَظ في بعض طلبة العلم اليوم، أنهم يتساهلون في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم دون تثبت، وهو من آفات المنهج الظاهري. فحسبوا أن النقل يغنيهم عن التحقيق والدراسة والبحث، وهذا من الطوام التي انتشرت وعمت. في حين ينبري أحدهم مدافعا مغوارا عن السنة النبوية إذا ما سمع أحد المحققين يدرس حديثا وينزله منزلة البحث والنظر فيشدد عليه وينكر أشد الإنكار. وما هذا إلا لخلل منهجي عندهم وتصور أن حمل الأحاديث على غير وجهها أو التساهل في قبولها سليم والتحقيق والنظر حسب القواعد العلمية هو محل الإشكال. فإلى الله المشتكى.

أسباب الوضع :
نستطيع أن نلخص أسباب الوضع في : تشويه الإسلام. الانتصار لمذهب، سياسي كان أو فقهي أو جغرافي. التوصل الى أغراض دنيوية، كالتقرب من الحكام، أو تجميع الناس حول الراوي وأكثر هؤلاء من القصاص. الترغيب والترهيب. وأسباب أخرى غير مقصودة كالوهم والغلط. كقول ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم (6)، أو رواية ثابت بن موسى حديث من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وهذا السبب الأخير من الأسباب الدافعة والحاثة على نقد المتون والنظر فيها لأن سنده ورواته ثقات. ومن العوامل المساعدة على الوقوع في الوهم، قلة التدوين وتأخره، والرواية بالمعنى أيضا. ومن الأسباب غير المقصودة الدس في كتب الراوي وهو لا يشعر كما وقع لعبد الله بن صالح وقد كان له جار سوء، فدس المناكير في كتبه فقرأها الرجل، وهو في حد ذاته صدوق، ولم يشعر أنها مدسوسة. (7) حتى قال ابن الجوزي أن جماعة من السلف قد ابتلوا بمثل هذا. و الحقيقة أن التحقق من مثل هذه الأحاديث عسير جدا، إذ أن الناس لم يتعودوا على أحاديث موضوعة يرويها ثقات، وهذا يزيد مهمة تمييز الأحاديث بناء على المتن صعوبة. ويحتاج ذلك إضافة إلى الهمة العالية والفهم الدقيق في هذا المجال ومعرفة أحكام الدين، إلى إلمام بتاريخ كل عصر وأوضاعه السياسية والإجتماعية والإقتصادية مع معرفة بالأحاديث الموضوع التي انتشرت فيه، فإن الوضع غالبا لا يكون إلا لحاجة، مثل حديث "الهريسة تشد الظهر" فقد كان واضعه محمد بن الحجاج النخعي وكان يبيع الهريسة، أو كالأحاديث التي وضعت لنصرة أحد المذاهب أو احدى الفرق. لذلك فإن معرفة أسباب الوضع من الأهمية بمكان.

روى الرامهرمزي (8) بإسناده أنه قيل لشعبة : من أين تعلم أن الشيخ يكذب ؟ قال : "إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب" (9)

ونقل الإمام السيوطي عن القاضي أبي بكر بن الطيب أنه قال : "إن من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفا للعقل، بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة، أو أن يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجتماع القطعي، ... أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلا واحد، ومنها بالإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على الفعل الحقير" (10).

وعليه، فإن الحديث، عند العلماء، يمر بمرحلتين ليستوفي شروط الصحة. الأولى هي مرحلة التثبت في السند، والثانية مرحلة النظر في المتن فلا يحتوي لا على علة قادحة ولا يكون شاذا. وهذه المرحلة الثانية يمكن أن نميز فيها أقساما من الحديث كالحديث الشاذ والمنكر والمقلوب والمدرج وغير ذلك (11). فإن ثبت الحديث واستوفى الشروط واعتمد فينبغي أن يفهم على ضوء المنهجية السليمة لفهم السنة النبوية. وهذا مما اعتمده وتحدث عنه الإمام محمد الغزالي رحمه الله في كتابه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.

أحاديث للنظر والتدبر :

الحديث الأول :
عن بن بريدة عن أبيه قال كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يخطبها فأرسل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كذب عدو الله ثم أرسل رجلا فقال إن وجدته حيا وما أراك تجده حيا فاضرب عنقه وإن وجدته ميتا فأحرقه بالنار قال فجاءه فوجدته قد لدغته أفعى فمات فحرقه بالنار قال فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. (12)
وترى في الحديث أن الوضع على النبي صلى الله عليه وسلم أي الكذب عليه قد كان في عهد النبوة (13) وربما علم متلقو الحديث أن الرجل يكذب من وجهين، الأول أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفرض القبول على المرأة وقومها وهم كارهون للرجل، والثاني أن ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وافق هواه ووافق ما جاء به في الجاهلية. ولعل السببين مجتمعين، أو أحدهما، حث هؤلاء على التأكد بنقدهم لما تلقوه عن الرجل، فبعثوا للرسول صلى الله عليه وسلم. فقد كان في المدينة منافقون لا يتورعون عن الكذب ولا ما أكبر منه إثما ومعصية، والتثبت والتبين من أوامر الله عز وجل للمؤمنين.

الحديث الثاني :
استدراك السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها على ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه في حديث "ولد الزنى شر الثلاثة" (14) وروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "لئن أقنع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنى" (15). وهنا تظهر مرة أخرى فطنة السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها وعرضها للحديث على القرآن الكريم وعلى أصل من أصول الدين وهو قوله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى" فكيف يكون ولد الزنى شر الثلاثة ولا وزر له في فسوق والديه وخطيئتهما ؟ وكيف يتفق هذا مع الآية القرآنية ؟ ثم أوردت السيدة عائشة الفهم السليم لما ذكره أبو هريرة وقالت "أساء سمعا فأساء إجابة". فذكرت السيدة عائشة أن حديث ولد الزنى شر الثلاثة إنما ورد في رجل من المنافقين كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل للرسول إنه على ما به ولد زنى، فقال : "هو شر الثلاثة". (16) وأما حديث الاعتاق فإنه لما نزل قوله تعالى فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة قيل يا رسول الله ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدنا له الجارية السوداء تخدمه وتسعى عليه فلو أمرناهم فزنين، فجئن بأولاد فأعتقناهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم " لئن أقنع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن آمر بالزنى، ثم أعتق الولد" (17) ومن هنا تدرك سبب قول أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها : رحم الله أبا هريرة، أساء سمعا فأساء إجابة.

الحديث الثالث :
عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "للمملوك أجران، والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك" (18). وفي هذا الحديث بيّن حبان بن موسى عن ابن المبارك أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ينتهي إلى قول أجران، ثم قال "والذي نفس أبي هريرة بيده ..." فتبين أنه من قول أبو هريرة رضي الله عنه. إذ لا يجوز أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم تمنيا للرق، لكونها غير لائقة بمقام النبوة، وكذلك لم يكن له حينها أم يبرها. فعلمنا إذا أن جزء من الحديث مدرجا. (19)

الحديث الرابع :
روى الإمام مسلم أن فاطمة بنت قيس ذكرت أن زوجها أبا عمرو بن حفص، خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل لها بأخر تطليقة كانت قد بقيت من طلاقها، وأمر بعض أقاربه بأداء شيء من النفقة إليها، فقالوا لها : ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له قولهم، فقال لها : "لا نفقة لك ولا سكنى". وقد رد عمر بن الخطاب روايتها إذ أنه كان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة وقال : لا نترك كتاب الله، وسنة نبينا، بقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت. (20).
فقد أشار عمر بن الخطاب إلى قوله تعالى "أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن" ومراده بالسنة طريقة النبي صلى الله عليه وسلم العامة، أو أنه سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم خلاف قول فاطمة. ولعل ما روته فاطمة عن الرسول صلى الله عليه وسلم هو فهمها لإذنه لها بالانتقال من بيت زوجها، فحسبت ألا حق لها في السكنى وقرنت ذلك بالنفقة.

الحديث الخامس :
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "الطيرة من الدار والمرأة والفرس" (21) فلما اخبرت عائشة رضي الله عنها بهذا غضبت، وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، وقالت : والذي أنزل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، إنما قال كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك. ورواه ابن قتيبة مثل ذلك وزاد انها قرأت قوله تعالى "ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير" (22).
وواضح من كلام عائشة رضي الله عنها أن أبو هريرة رضي الله عنه سمع جزء من الحديث عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحدث به. ولا يختلف اثنان في أن قول السيدة عائشة رضي الله عنها أوثق لروح القرآن ويتوافق مع الأحاديث التي تنهي عن التطير.
وأمثال هذه الأحاديث التي تخالف صريح القرآن ينبغي أن تدرك وتعلم، فإن في الأخذ به فتنة عظيمة لا يزيد إشعالها إلا سفهاء من حدثاء الأسنان ممن يطيرون بمتشابه الحديث وغرائبه إلى أصقاع الأرض زاعمين أنهم منافحون عن السنة النبوية وما حال هؤلاء إلا كحال حاطب ليل أعدم المنهج السليم.

الحديث السادس :
-         "الخلافة في قريش والحكم في الأنصار والدعوة في الحبشة والجهاد والهجرة في المسلمين والمهاجرين بعدُ" (23)
-         "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم إثنان" (24)
-         "الناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم تبع لخيارهم وشرارهم تبع لشرارهم" (25)
-        "الأئمة من قريش، أبرارُها أمراءُ أبرارِها، وفجارُها أمراءُ فجارِها، ولكلٍّ حق، فآتوا كلَّ ذي حقّ حقَّه، وإنْ أمّرتُ عليكم عبداً حبشياً مجدعاً، فاسمعوا له وأطيعوا، ما لم يُخيَّر أحدكم بين إسلامه وضربِ عنقه، فإنْ خُيرَ بين إسلامه وضرب عنقه فليقدّم عنقَه، فإنه لا دنيا له ولا آخرة بعد إسلامه" (26)
أما عن سند الأحاديث فإن بعضها ورد في الصحيحين وجمهور المحققين على أنها صحيحة خاصة أنها وردت بعدة روايات حتى قيل بأن الحديث نقل بالتواتر. (27) والإشكاليات المتعلقة بالحديث تتمحور حول مفهوم الإمامة ومعنى التبعية لقريش وتخصيصهم بالخلافة دون غيرهم في حين أن العارف بروح الإسلام يدرك أن من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، والتفضيل إنما يكون بحسب البلاء والجهد والعلم والتقوى فـ "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (28) وأحاديث تفيد هذا المعنى من مثل "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (29). فهل تفيد الأحاديث أن القرشية شرط ضروري لا ينبغي إسقاطه في الإمامة العظمى، بمعنى أن القرشي الأقل علما وقدرة يقدم على غيره ممن هو أكثر منه أهلية ؟ أم أنه يفيد الأفضلية بحيث يقدم الثاني على القرشي الأقل منه أهلية، ويؤخر في حال استوائهما ؟ أم أن الحديث يفيد فترة زمنية محددة وهي ما اقتربت من فترة زمن النبوة وما اقترنت بشوكة قريش ووزنها في العرب ؟

لعل عرض تأويل وتفسير العلماء للحديث حسب التسلسل الزمني يساعد على فهمه وحسن استيعابه. فقد فهم لفظ الإمامة في الحديث على أنه إحالة إلى الإمامة العظمى، لا أي إمامة، فإن الإمامة قد تفيد الإقتداء في أي أمر خيرا كان أم شرا. ولكن حدث أن فسر بعد ذلك حسب بعض تلاميذ الشافعي على أن لفظ الإمامة غير مقيد بالإمامة العظمى فجعلوه دليلا على إمامة الشافعي وصحة مذهبه مقابل بقية الأئمة وفي قولهم تعقبهم القاضي العياض رحمه الله فقال "ولا حجة فيه، لأن المراد بالأئمة في هذه الأحاديث الخلفاء" (30). ثم تطور فهمه بعد ذلك ليشرحه الإمام النووي رحمه الله أنه دليل على أن الأمة تبع لقريش وأن مجدها باق ما بقي في الناس اثنان، وفعلا فإن الوضع كان كذلك إلى عهد الإمام النووي حتى آلت الخلافة إلى آل عثمان وتغير الحال فخالف اللاحق ما ظنه النووي رحمه الله وقطع به. وتعقبه الدكتور يحيى إسماعيل فقال : "ولأنها استمرت بحمد الله هكذا في قريش لم تقع في غيرهم حتى وقت حياته فقد ظن رحمه الله أن الريح ستكون على ما كانت فحمله هذا الظن على تأويل خولف." (31) وبهذا تفطن للقيد في بعض الروايات الأخرى من أن الخلافة فيهم ما أقاموا الدين وما إن استرحموا فرحموا وما إن عاهدوا وفوا وما إن حكموا عدلوا، فاستخلص المناوي رحمه الله من ذلك أن الحديث يفيد الإخبار وما يحدث لها في المستقبل. فهذا القيد أحال العلماء للتساؤل إن كانت صيغة الأحاديث الواردة تدل على الأمر أم هي للإخبار وبالتالي لا تترب عليها أحكام وهو ما اختاره الإمام المناوي في ما سبق ذكره. (32)

وهذا ما اختاره الشيخ عبد القادر عودة إذ قال : "إن الأحاديث كلها وردت بصيغة الخبر عدا حديث استقيموا لقريش ما استقامت لكم وحديث قدموا قريشا ولا تَقَدَّمُوها فإنهما وردا بصيغة الأمر. والأحاديث الواردة بصيغة الخبر ليست أحكاما وإنما هي أخبار عن حال قريش وما يحدث لها ومجموعها يفيد أن الإمامة ستكون فيهم ما أطاعوا الله ولو بقي من الناس اثنان، فإذا عصوا الله بعث عليهم من يقصيهم عنها. أما الحديثان الواردان بصيغة الأمر فقد جاءا ببيان ما يجب على الأمة من معاملة قريش ما دامت مستقيمة على أمر الله." (33)
والإجابة على هذا السؤال تعتبر مفصلية لإدراك هل أن الحديث يلزم المسلمين باختيار القرشي للإمامة أم أنه خبر يُرفع حكمه ؟ فإذا اختير الثاني جاز اختيار غير القرشي للإمامة، وإذا اختير الأول سألنا إن كان الأمر مختصا بزمن ومرتبط بعلة يزول الحكم بزوالها أم أنه باق لا ينسخ. كأن يكون مرتبطا بمجد قريش ومكانتها. وقد اختار المتقدمون القرشية كشرط في الإمامة لا بد منها. ثم اختار بعضهم أن يقدم العالم التقي غير القرشي على القرشي إن كان غير ذا دراية (الجويني رحمه الله)، فهنا طرح السؤال عما إذا اختلف عند رجلين النسب والحكمة أيهما تقدم على اختها. وخالفهم في ذلك المتأخرون وحملوه إما على أنه خبر وإما على أنه مقيد بشرط وخاص بمجد قريش والزمن القريب من عهد الصحابة، فاستقرئت الأحاديث في مجموعها وصيغتها كما سبق مع الشيخ عبد القادر عودة رحمه الله.
وقد أشار الإمام الطاهر بن عاشور لشيء من هذه التساؤلات بقوله : "ولم يستند لهذا الحديث أحد من الصحابة يوم السقيفة فهو حديث غريب وإن كان صحيحا ويحتمل أن يكون مسوقا مساق الخبر دون الأمر، وأيا ما فيه فقد وقع فيه قيد ما أقاموا الدين، على أن الأنساب قد داخلها من الاختلاط والادعاء ما يرفع اليقين بأن أحدا معينا من قريش." (34) ويؤكد ما أشار إليه الإمام الطاهر بن عاشور أن أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يوم السقيفة احتج بأن "العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش" ولو كانت الأحاديث بمثابة الأمر لالتزم الأنصار خاصة وبقية المسلمون عامة بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاحتج به القرشيون كحكم شرعي قبل أن يحتجوا بما هو من السياسة والحكمة وحسن إدارة الدولة.

ويسير ابن خلدون رحمه الله في تفسير تلك الأحاديث وفق نظريته في العصبية للقبيلة فيقول : "لأن قريشا كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب فيهم، وكان سائر العرب يعترف لهم بذلك، فلو جعل الأمراء من سواهم لتفرق لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم، ولا يقدر غيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف ولا يحملهم على الكره، فتفترق الجماعة وتختلف الكلمة، والشرع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم، بخلاف ما إذا كان الأمر في قريش. لأنهم قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم، فلا يخشى من أحد خلاف عليهم ولا فرقة، لأنهم كفيلون حينئذ بدفعها ومنع الناس منها، فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب، وهم أهل العصبية القوية، ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة، وإذا انتظمت بانتظامها كلمة مضر أجمع، أذعن لهم سائر العرب وانقادت الأمم سواهم إلى أحكام الملة، ووطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات واستمر بعدها في الدولتين إلى أن اضمحل أمر الخلافة وتلاشت عصبية العرب. فإذا ثبت أن شرط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطلبنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية، وهي وجود العصبية فاشترطنا في القائم على أمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة على من معها لعصرها، وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا، لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم، وهو مخاطب بذلك، ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه، ثم إن الوجود شاهد بذلك، فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم وقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفا للأمر الوجودي." (35) وهذا الرأي، أي رأي ابن خلدون، هو الذي تبناه أغلب المتأخرون من العلماء ممن جاؤوا بعده، فإن فيه وجاهة، إذ جمع بين السياسة والحكمة في عصور مجد قريش وبين التوافق مع روح الإسلام من نبذ التعصب للقبيلة وتمييز رجل على آخر بمجرد دافع النسب وبإطلاق. (36)

الحديث السابع :
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "علموا أبناءكم السباحةَ والرمايةَ، ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل، وإذا دعاك أبواك فأجب أمك" (37) وقال صلى الله عليه وسلم : "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا" (38) وما روي موقوفا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن "علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل".(39).

قد يأخذ هذه الأحاديث ضعيف بصيرة، فيفهمه الفهم المعجمي، إذا اقتبسنا عبارة الإمام يوسف القرضاوي، فيعد النبال لأبناءه ويحضر الخيول حتى يعلمهم الرماية وركوب الخيل في عصر تسابقت فيه الهمم لتعلم العلوم الكونية والإنسانية والأخذ بزمام الحضارة من جوانبها كلها، بل لعله يطمح لإنشاء دار لتعليم هذه الأمور زاعما أنه من أولئك الذين احيوا سنة مهجورة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيطمح أن يكون له أجر مئة شهيد. ولعلك تجد تلك الدار في بلد تقف على تخوم حضارة آخرى قد جعلت دورا لتعليم علوم الذرة والنووي وآخر الدراسات في سباق التسلح الذي يشهده العالم اليوم، في حين يعلم صاحبنا أبناءنا الرمي بالنبال وركوب الخيل ! وقلبه قد شغف بداره، ولا يتحرك عقله إذا ما رأى دور غيره وما تعمل وتعلم. ففي عقله طفرة بين هذه وتلك، فإنه بتعليم النبال يظفر بأجر مئة شهيد، ولكنه لا يظفر بشيء إذا ما أنشأ جامعة لتخريج العلماء ! فالأولى أولى، زعم، أو هكذا أفتى له مخبول عقله.

وليس في تلك الرياضة شيء لمن أرادها، ولكن هذا الفهم يدمي القلب حين تؤخذ مثل هذه الأحاديث التي يقصد بها الرسول صلى الله عليه وسلم أمرا عظيما، تراه يلقي بها في مجرد تعلم الرياضة لأنها رياضة، أو في أحسن الأحوال أن تجعل من قبيل السنة التي يقبل عليها الناس امتثالا لحديث النبي والأخذ به ظاهريا بالتفسير المقتصر على المعجم. وهذا الفهم الحرفي قد ذهب بألباب الكثير حتى جردوا الحديث عن إطاره الزماني والمكاني وجعلوا الأحاديث قسما واحدا. يكفيك أن تسمع ما تلوكه بعض الألسن من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تعمل به دون فهم ولا تدبر ولا إنزال في إطاره.

وإذا كنا نعلم أن اجتهاد هذه الفئة مرجوح ونسأل الله أن يثيبهم عليه بأجر، إلا أن اللامقبول هو حربهم الشعواء على جمهور العلماء المدافعين على السنة النبوية والشارحين لها على وجهها الصحيح، فما يلبثوا أن يجعلوهم محاربين للسنة منكرين لها كما حصل ذلك مع غير واحد ومنهم الإمام محمد الغزالي رحمه الله. فلا نملك إلا أن نقول : إن لم تستحي، فاصنع ما شئت. وليس مثل هذا التشنيع إلا بضاعة مهترئة من لغو لمن لا بضاعة علمية له.

والحقيقة أن تلك الأحاديث النبوية قد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حتى يقبلوا على تعلم الفنون القتالية ويطلبوها، وإن كان تعلم المبارزة بالسيف أمر لا يستحق إلى التذكير لأنه أدنى المراتب المطلوبة للمقاتل، فإن في تذكيرهم بركوب الخيل وتعلم الرماية وأمثالهما تنويه يجعلنا نفهم بعضا من الفنون التي حث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على تعليمها لأبناءهم منذ الصغر، فنفهم أنه قد وجد تقصيرا في ذلك فنوّه إليه أو ما في نحو هذا. فلا يكون الأمر النبوي بالتعليم منسحب على الأفراد، بله الجيوش، في عصورنا. (40)

الحديث الثامن :
"ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار" (41)
هذا حديث عام، تفسره أحاديث أخرى مفصلة أكثر فتقيده، مثل الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله : "من جر ثوبه خيلاء ، لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقال أبو بكر : إن أحد شقي ثوبي يسترخي ، إلا أن أتعاهد ذلك منه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لن تصنع ذلك خيلاء. " فكانت علة الحديث الموجبة للحكم هي التكبر والخيلاء، وقد كان من السائد حينها هذه الصفة الذميمة، فيجر الرجل ثوبه خيلاء متكبرا على ضعاف الحال ممن لم يجدوا رقعة يسترون بها عوراتهم. وهذا الذي قال به جمهور العلماء إلا الحنابلة فإنهم أطلقوا الحكم على كل من جر ثوبه. بيد أن الواضح من الحديث السابق ذكره وغيره من الأحاديث الصحيحة التي تنيط الحكم بالخيلاء والبطر تفيد أن الحكم لازم لمن اتصف بتلك الصفات الذميمة، ولو كانت بغير جر الإزار، أو في قميص، أو غير ذلك من أنواع التكبر المستحدثة في عصرنا، والله أعلم.

الحديث التاسع :
حديث : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال: رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره. " (42)
تأملت في هذا الحديث فوجدت الصحابي يستشكل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ويستوضحه في مقصده. فقد وعى أن الإسلام يدعوا لنصرة المظلوم ويحث على ذلك، أما الظالم فأنى لنا أن ننصره ونرفع بنصرته ظلمه ؟! هكذا طرح الصحابي السؤال على الرسول صلى الله ولعله سؤال قد اختلط بشيء من التعجب. تخيلت لوهلة إن ورد الجزء الأول فقط من الحديث ونقل لنا، كتلك الأحاديث التي أسقط شيء منها، فهل يظهر من يحتج به لنصرة الظالمين ؟ لا أستغرب ذلك، فإن القفز على مقاصد الشرع وسماته العامة بسبب عدم وضوح في حديث غير مستغرب. والمطلوب، أن يفهم المسلم بفطرته السليمة من الأمر النبوي "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" أن نصرة المظلوم إنما تكون بمنعه وردعه عن الظلم "فإن ذلك نصره". وهكذا ترشده فطرته الإسلامية السليمة _ إن صح القول _ إلى الأحكام المرادة من الشرع بتوافقها مع سمته العام ومقاصده.

الحديث العاشر :
حديث : " ...  ورجل تصدق بصدقة وأخفاها حتى لم تعلم شماله ما أنفقت يمينه." (43)

ولا يراد بهذا الحديث ألا تعلم الشمال ما انفقت اليمين، فإن كلتا اليدين لا تعقلان ولا تريان، فلا حكمة لمن يخفي يدا عن الأخرى. وإنما المراد أن ينفق في الخفاء حتى لا يراه الناس، وهو أفضل الإنفاق. " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم". (44)

والله أعلم.
---------------------------------------------------------------------------------
1: كتاب منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، صلاح الدين الإدلبي، ص58
2: كتاب منهج نقد المتن عند علماء الحديث للدكتور صلاح الدين الإدلبي، ص21
3: صحيح البخاري
4: صحيح مسلم
5: كتاب منهج نقد المتن عند علماء الحديث ص23
6: صحيح البخاري، ويخالف هذا الحديث ما روته ميمونة رضي الله عنها من أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوجها وبنى بها وهو حلال، رواه مسلم وأبي داوود والترمذي
7: ميزان الاعتدال للذهبي : 2 / 440 – 441
8: وهو أحد كبار المحدثين ممن قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل أنه أفقه من يحيى القطان
9: الرامهرمزي، المحدث الفاضل، ص316
10: تدريب الراوي للسيوطي 1/ 276 - 288
11: انظر كتاب منهج نقد المتن عند علماء الحديث، فصل أبواب المصطلح المشتملة على قواعد نقد المتن ص192 - 222
12: أخرجه الإمام ابن حجر العسقلاني في تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير وذكر أن خلاصة حكم الحديث حسن، وقد ضعفه الإمام الذهبي. يقول الإمام ابن حجر "لا شك أن طريق أحمد ما بها بأس وشاهدها حديث بريدة فالحديث حسن".
13: لم يكن كحركة للوضع، ولكنه وضع فردي لم ينتشر، فإن الوضع كحركة بدأ بعد الفتنة الكبرى.
14: صححه الإمام الألباني.
15: رواه الحاكم في المستدرك.
16: الزركشي، الاجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، صفحة 118 – 119
17: المرجع السابق، وهو أيضا من استدراك السيدة عائشة.
18: رواه الإمام البخاري.
19: ص 201 كتاب منهج نقد المتن عند علماء أهل الحديث.
20: رواه الإمام مسلم.
21: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي، ومن الألفاظ التي اخرجوها "إنما الشؤم في ثلاث ..."، "إن يكن من الشؤم شيء حق ففي ...".
22: الآية 22 من سورة الحديد.
23: الجامع الصغير للإمام السيوطي رحمه الله، حديث حسن.
24: صحيح الإمام البخاري رحمه الله.
25: السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني رحمه الله.
26: صحيح الجامع للشيخ الألباني، وروي في جامع العلوم والحكم موقوفا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
27: انظر المبحث الأول في تخريج الحديث من دراسة تحليلية نقدية في شروح العلماء لحديث الأئمة من قريش لعودة عبد عودة عبد الله.
28: سورة الحجرات.
29: رواه مسلم، وإن كان الحديث عن الإمامة في الصلاة فإنه تدرك منه روح التعامل في الإسلام مع الأعلم وضرورة تقديمه فما بالك في ما هو أعلى شأنا من إمامة الصلاة، الإمامة العظمى
30: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري 13/120.
31: يحيى إسماعيل، منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم ص274.
32: فيض القدير شرح الجامع الصغير 3/189.
33: الإسلام وأوضاعنا السياسية ص125، 126.
34: كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية.
35: المقدمة، ص195.
36: ومنهم من ذكر أنها شرط كمال لا شرط صحة، فخفف أثرها وجعلها بمثابة المستحب. لدراسة الأحاديث باستفاضة أكثر انظر "دراسة تحليلية نقدية في شروح العلماء لحديث الأئمة من قريش" لعودة عبد عودة عبد الله.
37: الإمام السيوطي، الجامع الصغير، حديث حسن. وذكره الزرقاني في مختصر المقاصد، حسن لغيره.
38: صححه الإمام السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الإمام الألباني.
39: وقد ضعف العلماء هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
40: لا يختلف هذا الحديث عن سابقه، فقرة الحديث السادس، فمن أزمنا بأن الأئمة من قريش أمر واجب، ألزمناه بوجوب تعلم رماية النبال !
41: صحيح الجامع للإمام الألباني.
42: صحيح البخاري.
43: حديث صحيح، ابن عبد البر في التمهيد.
44: سورة البقرة.

ملاحظة : لعلي أضيف أحاديث أخرى، متى يسر الله لي ذلك.


samedi 22 mars 2014

07- منهجية فهم النصوص الشرعية : قراءة في مقاصد الشريعة الإسلامية

في نقد السلفية وضرورة التجاوز

07- منهجية فهم النصوص الشرعية
قراءة في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية للإمام محمد طاهر بن عاشور رحمه الله


طريقة هذا المقال

هذا المبحث مبحث عميق لا يغوص فيه إلا من كان ذا علم غزير، ولعل قلة المصنفات التي ألفت في هذا الموضوع تحيلك على أن هذا الباب على عظمته وأهميته إلا أنه بحر شديد التلاطم يحتاج إلى فقيه متمرس لدراسته. وقد خيرت أن يكون هذا المقال عبارة عن ملخص لأهم ما ذكره إمامنا وشيخنا الطاهر بن عاشور أساسا في كتابه الممتع مقاصد الشريعة الإسلامية مع الاهتداء أيضا بكتاب الإمام علال الفاسي رحمه الله مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها.
وفي هذا المقال حاولت تلخيص المبحثين الأولين اللذين ذكرهما الشيخ طاهر بن عاشور وهما : المبحث الأول، إثبات أن للشريعة الإسلامية مقاصد؛ والثاني، في المقصد العام من التشريع. دون التطرق للمبحث الثالث في المقاصد الخاصة بالمعاملات فخرجت منهما بأهم الأفكار والمعطيات ولم أقف مطولا على ذكر الأدلة التي عددها الإمام طيلة صفحات كتابه فإن الوقوف عليها يحتاج لتقص خاص ليس هذا مجاله.

الشيخ طاهر بن عاشور، الإمام المصلح والفقيه المجدد

لا بد أولا من التعرض لعلامة تونس الإمام الطاهر بن عاشور ومنهجه الإصلاحي، فرغم أن اسم الشيخ يغني على إطالة التعريف به، إلا أن الكثير من الناس لا يعرفون الأفكار الإصلاحية للشيخ الطاهر بن عاشور. فهو الفقيه الذي أعاد إحياء علم المقاصد أو كما يحلو للبعض تسميته الشاطبي المعاصر من خلال كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو صاحب المنهج الإصلاحي في التعليم من خلال كتابه أليس الصبح بقريب، وهو الشاعر الفذ ومفسر القرآن الكريم وفقيه تونس المالكي وعالمها.
ولا غرو في ذلك إذا علمنا أن الشيخ طاهر بن عاشور هو تلميذ الشيخ سالم بوحاجب الذي تتلخص آراءه في ضرورة التخلص من الجمود على التراث وملائمة مقاصد الشرع بمتطلبات الواقع والإعراض عن كثرة النقول في التدريس حتى تتكون لدى الطالب ملكة عقلية تتلقف القول فتعرضه على ما عنده من أدلة فيجمع بين إعمال العقل وبين البحث على الدليل. كما تأثر الشيخ الطاهر بالشيخ محمد عبده ومنهجه الإصلاحي ووطد معه العلاقة أثناء زيارته لتونس في 1903 وكذلك تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا من خلال مجلة المنار التي كان الإقبال عليها شديدا من قبل النخبة الزيتونية حتى ذكر في المجلة أن العدد الواحد منها يقرؤه العشرات من التونسيين. فمن كان متأثرا بهؤلاء الثلاثة الأعلام فقد علم معدنه وكشف عن عمق فكره. (1)

ومما روي عن الشيخ طاهر بن عاشور محنته التي تعرض لها من قبل المقلدين، بل إن الشيخ قد أدان تفكير المعارضين للإصلاح الذي زعموا أن ما بين أيديهم هي الطريقة الوحيدة التي ارتقى بها سلفنا (2) فعاب عليهم تقديسهم لكل قديم وخوفهم من كل جديد حتى أنه "ارتسم في عقولهم أنها [أي ما بين أيديهم من أقوال وعلوم ومناهج هي] قصارى ما تبلغه عقول البشر ... وأن غاية الخلف ان يفهم كلام السلف، فإذا تعرضوا لمسألة استأسدوا لدفع كل ما خالف علمهم فيها مما أثمره كل البحث، حتى إذا اتضحت براهين المخالف، وعجزهم في الخطاب، قالوا هذا من قبيل السحر اللساني، أو السفسطة التي نسمع بها في كتب المنطق" (3). بل لقد هاجم الشيخ الطاهر بن عاشور من "كان همهم أن يوقفوا الناس عند ما بلغ إليه العلماء المتقدمون، فحجروا النظر وخوفوهم عواقب القول بالرأي، وألقوا في نفوس الحكام والملوك أن الخروج عن ذلك قيد شبر هو كالإلحاد في الدين وكفران لفضيلة العلماء الماضين، إلى كلمات لفقوها وأحاديث وضعوها، ورهبانية في تقديس المتقدمين ابتدعوها." (4) فلام على هؤلاء أنهم "لا يجعلون مباحثهم في التفاصيل والكيفيات بل يغلقون باب المباحثة، ويقاومون كل طلب للإصلاح ولو كان صوابا. وهذه طريقة الحذر تأتي من قلة غوص الأفهام في المساعي." (5)
 فهذه شذرات من بعض مواقفه رحمه الله تعالى وبعض أقواله حتى يعلم فكر الإمام ومنهجه الإصلاحي.

أهمية علم المقاصد واحتياجنا إليه مع علم الأصول

اشتبه على البعض فتلقى علم المقاصد تلقي المرتاب وكأنه دخيل على الشريعة الإسلامية، بل زعم بعضهم ذلك، وما وقع هذا إلا لإلتباس في أفهامهم وعدم تفريق بين العلم في ذاته وبين تدوينه. وانطلاقا من ذلك يجيب الإمام علال الفاسي رحمه الله على بعض المفكرين ممن ذكر أن علم المقاصد مصدر خارجي عن الشريعة الإسلامية وقع إقحامه فيها حتى تقع الملائمة مع العصر ويتم تجاوز الهفوة الفاصلة بين الفقه وأصوله وبين ما شيد من قوانين ونظريات في العصر الحالي، فيؤكد أن "مقاصد الشريعة الإسلامية ليست مقاصد خارجية للتشريع ولكنها من صميمها وهي جزء لا يتجزء من المصادر الأساسية." (6) كما يجيب عمن اشتبه عليه فزعم أن تدوينه وتفصيله مؤخرا إنما هو إثبات لإقحامه في مصادر التشريع، فمرد ذلك أن تدوين علم المقاصد إنما هو من قبيل تدوين علم الأصول وعلم العقيدة والفقه والحديث. فيقول"ليس بصحيح ما يطلق كون الأصول أو المبادئ قد ابتكرت من بعد وإنما الواقع أنها كانت مستعملة دون أن تستقرأ أو تدون في الصدر الأول، فاستقراؤها وتدوينها هو الجديد وهو فن يطلق عليه تخريج المناط ومعناه البحث عن علل الأحكام التي استنبطها الأئمة." (7)
أما الإختلاف بين أصول الفقه والمقاصد هو أن العلم الأول مقتصر على ما تؤول إليه "ألفاظ الشريعة في انفرادها واجتماعها وافتقارها" (8) فهو من قبيل البحث في الأحكام القياسية لا في علل الأحكام ومقاصدها. بينما علم المقاصد يهب لك من أدوات البحث في الشريعة الإسلامية ما يتجاوز الأحكام القياسية والألفاظ وما وراءها من مباحث إلى النظر في علل الأحكام ومقاصد التشريع. (9)

وقد ذكر الشيخ أن علم أصول الفقه ليس كافيا لحصر الخلاف بل إن دارس الأصول يجد أن الإختلاف فيه يبلغ معظم مسائله ويعزو الشيخ ذلك للإختلاف في الفروع الذي ترتب عليه إختلاف في الأصول، إذ أن الفقه فرع من هذا الأخير، وقد دوّن الفقه قبله بنحو قرنين فصاحَب ذلك اختلاف في الأصول وطرق الاستدلال عليه (10). ويرى الشيخ طاهر بن عاشور أن العلماء الذين أرادوا أن يجعلوا من علم الأصول علما قطعيا لا يتطرق إليه الاحتمال في ما تفرع عنه من قواعد كالسمعيات القطعية ذهبت محاولاتهم في ذلك هباء، فإننا "إذا أردنا أن ندون أصولا قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين ونعيرها بمعيار النظر والنقد فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة" ! (11) ذلك أن حصر الخلاف في الأصول لن يكون إلا إذا تم حصر الخلاف في ما هو أشمل منه أي المقاصد، وهو من قبيل ما فعله العلماء من قبل فحصروا الخلاف في الفقه بتحديد أصوله وتضييق الخلاف فيها. فهذا مما نصنفه ضمن أهميات علم المقاصد.

كما أثبت الشيخ الطاهر بن عاشور في بداية قسمه الأول من الكتاب أن الله لا يشرع القوانين عبثا، وأن لكل حكم مقصد وقد ثبت ذلك بالأدلة القطعية من قبيل قوله تعالى "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ..." و"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" ولم يجعل الله الشرع إلا لإقامة نظام الناس. (12) فهذا يوجب إذا البحث عن علل الأحكام والمراد بها. فإذا ثبت "لنا اليقين أن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حكم ومصالح ومنافع" (13) توجب علينا حينها البحث عنها واستقراءها من خلال النصوص.

كيف يتصرف الفقيه في النصوص ؟

يقع تصرف الفقيه في الشريعة وأدلتها لاستنباط الأحكام على خمسة أنحاء :
الأول، فهم أقوال الشريعة والاستفادة من مدلولات تلك الأقوال بحسب الاستدلال اللغوي وبحسب النقل الشرعي. والثاني، النظر في ما يعارض الأدلة التي لاحت للمجتهد، فإن سلم دليله مما يعارضه أنفذه، وإن ألفى له معارضا نظر في كيفية العمل بالدليلين معا، وإن تعذّر رجح أحدهما على الآخر. وثالثا، قياس ما لم يرد حكم الشارع فيه على ما ورد فيه حكم بناء على مسالك العلة المبينة في علم أصول الفقه. ورابعا، إعطاء حكم لفعل حادث للناس لا يعرف حكمه فيما لاح للمجتهدين من أدلة الشريعة، ولا له نظير يقاس عليه. وخامسا، تلقي بعض أحكام الشريعة تلقي من لم يعرف علل أحكامها ولا مقاصدها، فيتهم نفسه بالقصور عن إدراك حكمة الشارع منها، فيسمي هذا القسم التعبدي. (14)

والفقيه محتاج في كل ذلك إلى مقاصد الشريعة ذلك أن ما يصل إليه الفقيه لا ينبغي أن يحيد عن مقاصد الشرع. ويظهر ذلك خاصة في الطريقة الثانية والثالثة والرابعة، فإذا تعارض دليلين يمكن للفقيه أن يرجح أحدهما على الآخر بما لاح له من أن أحدهما "غير مناسب لأن يكون مقصودا للشارع على علاته" (15) وأما الطريقة الثالثة فإن علل الأحكام أبرز دليل على ابتغاء المقصد في سن الحكم فكانت القاعدة "العلة تدور مع الحكم وجودا وعدما" وأما الطريقة الرابعة فهي ما أثبت فيه الإمام مالك رحمه الله حجية المصالح المرسلة وهو ما أثبت فيه الفقهاء كذلك وجوب مراعات الكليات الضرورية وألحقوا بها الحاجية والتحسينية. (16)

طرق استقراء الفقيه للمقاصد

الطريق الأول وهو أعظمها يهدف إلى استقراء الشريعة في تصرفاتها وينقسم إلى نوعين. النوع الأول، استقراء العلل والحكمة من تشريع حكم ما، فإذا تواترت وتضافرت نتائج الاستقراء علمنا أنها من قبل المقاصد الشرعية، فهي مجموع جزئيات نستخلص منها حكما عاما تدور الجزئيات حوله. ومثال ذلك ما ذكر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه والنهي أن يسوم على سومه وعدم تناجي انثنان دون ثالثهما، فيعلم أن علة النهي في ذلك هي الوحشة التي تنشأ بين المسلمين فيستخلص أن من مقاصد الشريعة دوام الاخوة بينهم وجمعهم وتآلفهم. والنوع الثاني، استقراء أدلة أحكام اشتركت في علة ما، بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلة مقصد من مقاصد الشارع. ومثاله ما ذكر من أحاديث في النهي عن احتكار الطعام و"من احتكر الطعام فهو خاطئ" (17) والنهي عن بيع الطعام بالطعام، فيستخلص أن المقصد من ذلك رواج الطعام وتيسير تناوله. ومنه أيضا كثرة الأمر بإعتاق الرقاب والذي يدلنا أن حصول الحرية مقصد من مقاصد الشارع. (18)
الطريق الثاني، أدلة القرآن واضحة الدلالة، فإن آيات القرآن متواترة بلا شك فإذا جمعت مع تواترها دلالتها القطعية تسنى لنا بناء مقصد شرعي على ما ظهر لنا، كقوله تعالى "والله لا يحب الفساد" أو "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ...
الطريق الثالث، السنة المتواترة سواء أكان ذلك من قبيل التواتر المعنوي المشاهد عن عموم الصحابة رضوان الله عليهم كمثل ما يعرف بالحبس وما تركه الصحابة في المدينة من ذلك. أو كان عن طريق التواتر العملي كما روي في صحيح البخاري من أن أبي برزة قطع صلاته ليدرك فرسه فلما عُتب عليه روى ما رآه من تيسير عند الرسول صلى الله عليه وسلم ورجح سلامة قطعه الصلاة ثم العودة إليها على فقدانه فرسه وإدراك أهله ليلا، أي رجح أقل الخيارين ضررا، بناء على ما استقرأه من تيسير الرسول صلى الله عليه وسلم وما ورآه منه.

كما نقل الشيخ طاهر بن عاشور كلاما مهما للإمام الشاطبي، قد خالفا فيه رأي الظاهرية الذي يحيل إلى إلغاء المقاصد الشرعية فيزعمون أن مقصد الشرع غائب عنا حتى تأتينا النصوص التي تعرفنا به، فلا مقصد إلا من النص، ومآل هذا الوجه الحمل على الظاهر مطلقا. كما خالف فيه رأي الباطنية الذين زعموا أن ما يظهر من نصوص ليست مقصودة لذاتها ولو كانت قطعية وحملوا ذلك على كل الشريعة حتى لم يبقى منها شيء. ورجحا أن يقال بـ"الأمرين جميعا، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ولا العكس، لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهذا الذي أمه أكثر العلماء." (19) (20). إذا فالإجتهاد وتتبع مقاصد الشريعة الإسلامية لا يعني الخروج عن الشريعة، فالرأي المبني على ذلك لا يقبل عند أهل الرأي أنفسهم إلا إذا كان مندرجا تحت أصل من أصول الشريعة الثابتة، كما أن تتبع المنهج الظاهري والأخذ بالنصوص دون تمحيص لا يثبت في ميزان الشرع فهو مرجوح أيضا. ولهذا تقعّد القواعد في هذه العلوم حتى لا تثبت عليها إلا الآراء المندرجة ضمن نطاق الشريعة وأحكامها المستنبطة جمعا بين النصوص وبين مقاصد الشارع فلا تخل بأي ركن من الأركان. (21)

الأدلة اللفظية الشرعية لا تستغني عن المقاصد

وجب التفريق بين الأحوال التي يصدر عليها قول أو فعل للرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي أخذ كل قول على محمل واحد دون تفريق وتبين فعد الإمام الطاهر بن عاشور اثنا عشر حالا وجب التفريق بينها وضرب في كل حال منها مثالا لا يسعني ذكرها هنا فمن أراد ان يراجعها فليعد لكتابه. وقد اقتفى الإمام الطاهر بن عاشور أثر الإمام القرافي رحمه الله في ذلك. والأحوال التي ذكرها الإمام القرافي هي : التشريع، الفتوى والقضاء. وزاد عليها الإمام طاهر بن عاشور : الإمارة، الهدي، الصلح، الإشارة على المستشير، النصيحة، تكميل النفوس، تعليم الحقائق العالية، التأديب، والتجرد عن الإرشاد. (22)

فمن بين الأحاديث ما نعده ضمن واحد من تلك الأقسام، ومن بينها أيضا ما تنازع فيه العلماء ضمن أي قسم يندرج، هل كانت تصرفا بالفتوى أو تصرفا بالإمامة كقوله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا مواتا فهي له وكقوله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة "خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف" هل هو تصرف بالقضاء فيكون لزاما على من كان في مثل حالها التحاكم للقاضي أو كانت بالفتوى فلا يلزم بذلك. وكذا قوله صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلا فله سلبه" .. ويضيف الإمام علال الفاسي على ما ذكره الإمام شهاب الدين القرافي والإمام طاهر بن عاشور قسم آخر وهو التصرفات الإنسانية للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما "يأتي فيه الرسول بأفعال عادية جبلية تقتضيها دواعي الحياة البشرية وذلك كحالة الطعام والشراب واللباس والقيام والقعود ... ويدخل في هذا كل ما اجتهد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من الأعمال الدنيوية غير مستند فيه إلى وحي" (23). والمهم أن نعلم أن الفقيه وجب عليه التفريق بين أنواع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يحسن الاستشهاد بها وهذا الباب لا يقل أهمية عن تفريق الحديث بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف. وسيتم الحديث حول هذا في بابه.

ماهي المصلحة وماهي المفسدة ؟

إن الإصلاح هي الغاية الكبرى التي بعث من أجلها الأنبياء وشرع الله من أجلها الشرائع فـ"المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلفوا به من عدل ... والمراد بالإصلاح هنا إصلاح أحوال الناس لا مجرد صلاح العقيدة." (24) فالإصلاح مفهوم شامل يشمل العقيدة كما يشمل جميع نواحي الحياة فـ"لقد علمنا ان الشارع ما أراد من الإصلاح المنوّه به مجرد إصلاح العقيدة وصلاح العمل بالعبادة كما قد يتوهم، بل أراد منه [أيضا] صلاح أحوال الناس وشؤونهم في الحياة الإجتماعية فإن قوله تعالى : "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" أنبأنا أن الفساد المحذر منه هنا هو إفساد موجودات هذا العالم." (25)

فكل إصلاح إذا يكون في جانب حصول المصلحة، وكل تقصير في الإصلاح أو تقهقر في سلمه يكون في جانب المفسدة. ويعرف الشيخ الطاهر بن عاشور المصلحة بأنها "وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع دائما أو غالبا، للجمهور أو للآحاد. فقولي دائما يشير إلى المصلحة الخالصة المطردة، وقولي أو غالبا يشير إلى المصلحة الراجحة في غالب الأحوال، وقولي للجمهور أو للآحاد إشارة إلى أنها قسمان ... وأما المفسدة فهي ما قابل المصلحة وهي وصف للفعل يحصل به الفساد أي الضر، دائما أو غالبا، للجمهور أو للآحاد." (26) وذكر أن فعلا إن غلبت فيه المصلحة على المفسدة ألحق بعداد المصالح، وإن كانت الأخرى جعل من قبيل المفاسد. (27)

كما ذكر الشيخ طاهر بن عاشور أن المنهيات مرتبة ومتفاوتة كالمصالح، فقد ذكر في القرآن الفواحش والكبائر واللمم (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) كما ذكر الإثم والبغي (قل إنما حرم ربي الفواحش ...) وجاء وصف المنهيات بأن بعضها أكبر من بعض "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ..." (28). وكان ذلك دافعا للصحابة للقياس على ما لم ترد فيه حدود مما كان أشد من الزنا أو قذف المحصنات كشرب الخمر وغيره. (29)

ومن القواعد التي حددها الإمام علال الفاسي رحمه الله لقواعد تقييد المصلحة بالمقاصد :
- تحمل الضرر الخاص في سبيل دفع الضرر العام.
- إذا عارضت المصلحة مفسدة فإن دفع المفسدة مقدم وهذا معروف بلفظ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. (ذلك إن كانت المفسدة مساوية للمصلحة أو أكبر منها، فإن الفعل يكون في عداد المفاسد، وإلا كان من قبيل المصلحة كما ذكر في تعريف الإمام طاهر بن عاشور)
- اختلاف أحكام التصرفات لاختلاف مصالحها لأن الله شرع في كل تصرف من التصرفات ما يحصل مقاصده ويوفر مصالحه. وهذه القاعدة تعني أن الأحكام التي قررتها الشريعة تقصد لتحقيق غاية ومصلحة، ويظهر ذلك جليا في باب المعاملات، وهذه قاعدة نقلها علال الفاسي عن العز بن عبد السلام وضرب لها مجموعة من الأمثلة. ثم قال "لا نريد من ذكر هذه القواعد المقيدة للمصلحة حصرها واستقراءها، وإنما نريد أن ننبه إلى أن المصلحة لا تتعدى مجالها. ولا تعتبر إلا إذا لم يكن هنالك من الشارع ما يدل على إلغاءها، أو تقديم مصلحة أخرى عليها أو درء مفسدة قبلها." (30)



(1) صفحة 361، 362 و363 كتاب الشيخ طاهر بن عاشور وإسهامه في تجديد الفكر الديني
(2) أليس الصبح بقريب ص 230
(3) كتاب الشيخ طاهر بن عاشور وإسهامه في تجديد الفكر الديني ص380 و381
(4) من مقال الشيخ محمد الحبيب بن خوجة في مجلة جوهرة الاسلام العدد 43 سنة 1979
(5) كتاب أليس الصبح بقريب للإمام الطاهر بن عاشور ص109 و110
(6) مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها، الإمام علال الفاسي ص45
(7) المرجع السابق ص54 و55
(8) مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام الطاهر بن عاشور ص167
(9) المرجع السابق ص167
(10) المرجع السابق ص166
(11) المرجع السابق ص172
(12) المرجع السابق ص179
(13) المرجع السابق ص246
(14) سمي بالقسم التعبدي ذلك أن كل ما يدور في هذا القسم مما تدق علله أو تخفى علينا كسبب اختلاف الركعات بين الصلوات وهذا القسم مما لا تذكر علة الحكم في دليله الشرعي فيؤخذ كما هو ونسلم به. في حين أن قسم المعاملات والسياسة الشرعية علتها واضحة وهي إقامة النظام للناس وحفظه وإصلاح أحوال المجتمع، فيكون هذا القسم مقصده واضحا ظاهرا بخلاف القسم التعبدي. وقد خصص الشيخ الطاهر بن عاشور المبحث الثالث من كتابه لدراسة هذا القسم
(15) المرجع السابق ص185
(16) المرجع السابق ص 183 و184
(17) رواه الإمام مسلم
(18) مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام الطاهر بن عاشور، ص193
(19) المرجع السابق ص195
(20) المرجع السابق، فصل طرق استقراء مقاصد الشريعة
(21) مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها، الإمام علال الفاسي، ص54
(22) مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام الطاهر بن عاشور، ص212
(23) مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها، الإمام علال الفاسي، ص116
(24) المرجع السابق، ص45 و46
(25) مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام الطاهر بن عاشور، ص285
(26) المرجع السابق، ص279 و280
(27) المرجع السابق، نقله الإمام الطاهر بن عاشور عن الإمام الشاطبي في ص282 ووافقه عليه.
(28) المرجع السابق، ص290
(29) المرجع السابق، ص291
(30) مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها، الإمام علال الفاسي رحمه الله، ص187