Affichage des articles dont le libellé est سلفية. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est سلفية. Afficher tous les articles

samedi 22 mars 2014

07- منهجية فهم النصوص الشرعية : قراءة في مقاصد الشريعة الإسلامية

في نقد السلفية وضرورة التجاوز

07- منهجية فهم النصوص الشرعية
قراءة في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية للإمام محمد طاهر بن عاشور رحمه الله


طريقة هذا المقال

هذا المبحث مبحث عميق لا يغوص فيه إلا من كان ذا علم غزير، ولعل قلة المصنفات التي ألفت في هذا الموضوع تحيلك على أن هذا الباب على عظمته وأهميته إلا أنه بحر شديد التلاطم يحتاج إلى فقيه متمرس لدراسته. وقد خيرت أن يكون هذا المقال عبارة عن ملخص لأهم ما ذكره إمامنا وشيخنا الطاهر بن عاشور أساسا في كتابه الممتع مقاصد الشريعة الإسلامية مع الاهتداء أيضا بكتاب الإمام علال الفاسي رحمه الله مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها.
وفي هذا المقال حاولت تلخيص المبحثين الأولين اللذين ذكرهما الشيخ طاهر بن عاشور وهما : المبحث الأول، إثبات أن للشريعة الإسلامية مقاصد؛ والثاني، في المقصد العام من التشريع. دون التطرق للمبحث الثالث في المقاصد الخاصة بالمعاملات فخرجت منهما بأهم الأفكار والمعطيات ولم أقف مطولا على ذكر الأدلة التي عددها الإمام طيلة صفحات كتابه فإن الوقوف عليها يحتاج لتقص خاص ليس هذا مجاله.

الشيخ طاهر بن عاشور، الإمام المصلح والفقيه المجدد

لا بد أولا من التعرض لعلامة تونس الإمام الطاهر بن عاشور ومنهجه الإصلاحي، فرغم أن اسم الشيخ يغني على إطالة التعريف به، إلا أن الكثير من الناس لا يعرفون الأفكار الإصلاحية للشيخ الطاهر بن عاشور. فهو الفقيه الذي أعاد إحياء علم المقاصد أو كما يحلو للبعض تسميته الشاطبي المعاصر من خلال كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو صاحب المنهج الإصلاحي في التعليم من خلال كتابه أليس الصبح بقريب، وهو الشاعر الفذ ومفسر القرآن الكريم وفقيه تونس المالكي وعالمها.
ولا غرو في ذلك إذا علمنا أن الشيخ طاهر بن عاشور هو تلميذ الشيخ سالم بوحاجب الذي تتلخص آراءه في ضرورة التخلص من الجمود على التراث وملائمة مقاصد الشرع بمتطلبات الواقع والإعراض عن كثرة النقول في التدريس حتى تتكون لدى الطالب ملكة عقلية تتلقف القول فتعرضه على ما عنده من أدلة فيجمع بين إعمال العقل وبين البحث على الدليل. كما تأثر الشيخ الطاهر بالشيخ محمد عبده ومنهجه الإصلاحي ووطد معه العلاقة أثناء زيارته لتونس في 1903 وكذلك تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا من خلال مجلة المنار التي كان الإقبال عليها شديدا من قبل النخبة الزيتونية حتى ذكر في المجلة أن العدد الواحد منها يقرؤه العشرات من التونسيين. فمن كان متأثرا بهؤلاء الثلاثة الأعلام فقد علم معدنه وكشف عن عمق فكره. (1)

ومما روي عن الشيخ طاهر بن عاشور محنته التي تعرض لها من قبل المقلدين، بل إن الشيخ قد أدان تفكير المعارضين للإصلاح الذي زعموا أن ما بين أيديهم هي الطريقة الوحيدة التي ارتقى بها سلفنا (2) فعاب عليهم تقديسهم لكل قديم وخوفهم من كل جديد حتى أنه "ارتسم في عقولهم أنها [أي ما بين أيديهم من أقوال وعلوم ومناهج هي] قصارى ما تبلغه عقول البشر ... وأن غاية الخلف ان يفهم كلام السلف، فإذا تعرضوا لمسألة استأسدوا لدفع كل ما خالف علمهم فيها مما أثمره كل البحث، حتى إذا اتضحت براهين المخالف، وعجزهم في الخطاب، قالوا هذا من قبيل السحر اللساني، أو السفسطة التي نسمع بها في كتب المنطق" (3). بل لقد هاجم الشيخ الطاهر بن عاشور من "كان همهم أن يوقفوا الناس عند ما بلغ إليه العلماء المتقدمون، فحجروا النظر وخوفوهم عواقب القول بالرأي، وألقوا في نفوس الحكام والملوك أن الخروج عن ذلك قيد شبر هو كالإلحاد في الدين وكفران لفضيلة العلماء الماضين، إلى كلمات لفقوها وأحاديث وضعوها، ورهبانية في تقديس المتقدمين ابتدعوها." (4) فلام على هؤلاء أنهم "لا يجعلون مباحثهم في التفاصيل والكيفيات بل يغلقون باب المباحثة، ويقاومون كل طلب للإصلاح ولو كان صوابا. وهذه طريقة الحذر تأتي من قلة غوص الأفهام في المساعي." (5)
 فهذه شذرات من بعض مواقفه رحمه الله تعالى وبعض أقواله حتى يعلم فكر الإمام ومنهجه الإصلاحي.

أهمية علم المقاصد واحتياجنا إليه مع علم الأصول

اشتبه على البعض فتلقى علم المقاصد تلقي المرتاب وكأنه دخيل على الشريعة الإسلامية، بل زعم بعضهم ذلك، وما وقع هذا إلا لإلتباس في أفهامهم وعدم تفريق بين العلم في ذاته وبين تدوينه. وانطلاقا من ذلك يجيب الإمام علال الفاسي رحمه الله على بعض المفكرين ممن ذكر أن علم المقاصد مصدر خارجي عن الشريعة الإسلامية وقع إقحامه فيها حتى تقع الملائمة مع العصر ويتم تجاوز الهفوة الفاصلة بين الفقه وأصوله وبين ما شيد من قوانين ونظريات في العصر الحالي، فيؤكد أن "مقاصد الشريعة الإسلامية ليست مقاصد خارجية للتشريع ولكنها من صميمها وهي جزء لا يتجزء من المصادر الأساسية." (6) كما يجيب عمن اشتبه عليه فزعم أن تدوينه وتفصيله مؤخرا إنما هو إثبات لإقحامه في مصادر التشريع، فمرد ذلك أن تدوين علم المقاصد إنما هو من قبيل تدوين علم الأصول وعلم العقيدة والفقه والحديث. فيقول"ليس بصحيح ما يطلق كون الأصول أو المبادئ قد ابتكرت من بعد وإنما الواقع أنها كانت مستعملة دون أن تستقرأ أو تدون في الصدر الأول، فاستقراؤها وتدوينها هو الجديد وهو فن يطلق عليه تخريج المناط ومعناه البحث عن علل الأحكام التي استنبطها الأئمة." (7)
أما الإختلاف بين أصول الفقه والمقاصد هو أن العلم الأول مقتصر على ما تؤول إليه "ألفاظ الشريعة في انفرادها واجتماعها وافتقارها" (8) فهو من قبيل البحث في الأحكام القياسية لا في علل الأحكام ومقاصدها. بينما علم المقاصد يهب لك من أدوات البحث في الشريعة الإسلامية ما يتجاوز الأحكام القياسية والألفاظ وما وراءها من مباحث إلى النظر في علل الأحكام ومقاصد التشريع. (9)

وقد ذكر الشيخ أن علم أصول الفقه ليس كافيا لحصر الخلاف بل إن دارس الأصول يجد أن الإختلاف فيه يبلغ معظم مسائله ويعزو الشيخ ذلك للإختلاف في الفروع الذي ترتب عليه إختلاف في الأصول، إذ أن الفقه فرع من هذا الأخير، وقد دوّن الفقه قبله بنحو قرنين فصاحَب ذلك اختلاف في الأصول وطرق الاستدلال عليه (10). ويرى الشيخ طاهر بن عاشور أن العلماء الذين أرادوا أن يجعلوا من علم الأصول علما قطعيا لا يتطرق إليه الاحتمال في ما تفرع عنه من قواعد كالسمعيات القطعية ذهبت محاولاتهم في ذلك هباء، فإننا "إذا أردنا أن ندون أصولا قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين ونعيرها بمعيار النظر والنقد فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة" ! (11) ذلك أن حصر الخلاف في الأصول لن يكون إلا إذا تم حصر الخلاف في ما هو أشمل منه أي المقاصد، وهو من قبيل ما فعله العلماء من قبل فحصروا الخلاف في الفقه بتحديد أصوله وتضييق الخلاف فيها. فهذا مما نصنفه ضمن أهميات علم المقاصد.

كما أثبت الشيخ الطاهر بن عاشور في بداية قسمه الأول من الكتاب أن الله لا يشرع القوانين عبثا، وأن لكل حكم مقصد وقد ثبت ذلك بالأدلة القطعية من قبيل قوله تعالى "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ..." و"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" ولم يجعل الله الشرع إلا لإقامة نظام الناس. (12) فهذا يوجب إذا البحث عن علل الأحكام والمراد بها. فإذا ثبت "لنا اليقين أن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حكم ومصالح ومنافع" (13) توجب علينا حينها البحث عنها واستقراءها من خلال النصوص.

كيف يتصرف الفقيه في النصوص ؟

يقع تصرف الفقيه في الشريعة وأدلتها لاستنباط الأحكام على خمسة أنحاء :
الأول، فهم أقوال الشريعة والاستفادة من مدلولات تلك الأقوال بحسب الاستدلال اللغوي وبحسب النقل الشرعي. والثاني، النظر في ما يعارض الأدلة التي لاحت للمجتهد، فإن سلم دليله مما يعارضه أنفذه، وإن ألفى له معارضا نظر في كيفية العمل بالدليلين معا، وإن تعذّر رجح أحدهما على الآخر. وثالثا، قياس ما لم يرد حكم الشارع فيه على ما ورد فيه حكم بناء على مسالك العلة المبينة في علم أصول الفقه. ورابعا، إعطاء حكم لفعل حادث للناس لا يعرف حكمه فيما لاح للمجتهدين من أدلة الشريعة، ولا له نظير يقاس عليه. وخامسا، تلقي بعض أحكام الشريعة تلقي من لم يعرف علل أحكامها ولا مقاصدها، فيتهم نفسه بالقصور عن إدراك حكمة الشارع منها، فيسمي هذا القسم التعبدي. (14)

والفقيه محتاج في كل ذلك إلى مقاصد الشريعة ذلك أن ما يصل إليه الفقيه لا ينبغي أن يحيد عن مقاصد الشرع. ويظهر ذلك خاصة في الطريقة الثانية والثالثة والرابعة، فإذا تعارض دليلين يمكن للفقيه أن يرجح أحدهما على الآخر بما لاح له من أن أحدهما "غير مناسب لأن يكون مقصودا للشارع على علاته" (15) وأما الطريقة الثالثة فإن علل الأحكام أبرز دليل على ابتغاء المقصد في سن الحكم فكانت القاعدة "العلة تدور مع الحكم وجودا وعدما" وأما الطريقة الرابعة فهي ما أثبت فيه الإمام مالك رحمه الله حجية المصالح المرسلة وهو ما أثبت فيه الفقهاء كذلك وجوب مراعات الكليات الضرورية وألحقوا بها الحاجية والتحسينية. (16)

طرق استقراء الفقيه للمقاصد

الطريق الأول وهو أعظمها يهدف إلى استقراء الشريعة في تصرفاتها وينقسم إلى نوعين. النوع الأول، استقراء العلل والحكمة من تشريع حكم ما، فإذا تواترت وتضافرت نتائج الاستقراء علمنا أنها من قبل المقاصد الشرعية، فهي مجموع جزئيات نستخلص منها حكما عاما تدور الجزئيات حوله. ومثال ذلك ما ذكر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه والنهي أن يسوم على سومه وعدم تناجي انثنان دون ثالثهما، فيعلم أن علة النهي في ذلك هي الوحشة التي تنشأ بين المسلمين فيستخلص أن من مقاصد الشريعة دوام الاخوة بينهم وجمعهم وتآلفهم. والنوع الثاني، استقراء أدلة أحكام اشتركت في علة ما، بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلة مقصد من مقاصد الشارع. ومثاله ما ذكر من أحاديث في النهي عن احتكار الطعام و"من احتكر الطعام فهو خاطئ" (17) والنهي عن بيع الطعام بالطعام، فيستخلص أن المقصد من ذلك رواج الطعام وتيسير تناوله. ومنه أيضا كثرة الأمر بإعتاق الرقاب والذي يدلنا أن حصول الحرية مقصد من مقاصد الشارع. (18)
الطريق الثاني، أدلة القرآن واضحة الدلالة، فإن آيات القرآن متواترة بلا شك فإذا جمعت مع تواترها دلالتها القطعية تسنى لنا بناء مقصد شرعي على ما ظهر لنا، كقوله تعالى "والله لا يحب الفساد" أو "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ...
الطريق الثالث، السنة المتواترة سواء أكان ذلك من قبيل التواتر المعنوي المشاهد عن عموم الصحابة رضوان الله عليهم كمثل ما يعرف بالحبس وما تركه الصحابة في المدينة من ذلك. أو كان عن طريق التواتر العملي كما روي في صحيح البخاري من أن أبي برزة قطع صلاته ليدرك فرسه فلما عُتب عليه روى ما رآه من تيسير عند الرسول صلى الله عليه وسلم ورجح سلامة قطعه الصلاة ثم العودة إليها على فقدانه فرسه وإدراك أهله ليلا، أي رجح أقل الخيارين ضررا، بناء على ما استقرأه من تيسير الرسول صلى الله عليه وسلم وما ورآه منه.

كما نقل الشيخ طاهر بن عاشور كلاما مهما للإمام الشاطبي، قد خالفا فيه رأي الظاهرية الذي يحيل إلى إلغاء المقاصد الشرعية فيزعمون أن مقصد الشرع غائب عنا حتى تأتينا النصوص التي تعرفنا به، فلا مقصد إلا من النص، ومآل هذا الوجه الحمل على الظاهر مطلقا. كما خالف فيه رأي الباطنية الذين زعموا أن ما يظهر من نصوص ليست مقصودة لذاتها ولو كانت قطعية وحملوا ذلك على كل الشريعة حتى لم يبقى منها شيء. ورجحا أن يقال بـ"الأمرين جميعا، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ولا العكس، لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهذا الذي أمه أكثر العلماء." (19) (20). إذا فالإجتهاد وتتبع مقاصد الشريعة الإسلامية لا يعني الخروج عن الشريعة، فالرأي المبني على ذلك لا يقبل عند أهل الرأي أنفسهم إلا إذا كان مندرجا تحت أصل من أصول الشريعة الثابتة، كما أن تتبع المنهج الظاهري والأخذ بالنصوص دون تمحيص لا يثبت في ميزان الشرع فهو مرجوح أيضا. ولهذا تقعّد القواعد في هذه العلوم حتى لا تثبت عليها إلا الآراء المندرجة ضمن نطاق الشريعة وأحكامها المستنبطة جمعا بين النصوص وبين مقاصد الشارع فلا تخل بأي ركن من الأركان. (21)

الأدلة اللفظية الشرعية لا تستغني عن المقاصد

وجب التفريق بين الأحوال التي يصدر عليها قول أو فعل للرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي أخذ كل قول على محمل واحد دون تفريق وتبين فعد الإمام الطاهر بن عاشور اثنا عشر حالا وجب التفريق بينها وضرب في كل حال منها مثالا لا يسعني ذكرها هنا فمن أراد ان يراجعها فليعد لكتابه. وقد اقتفى الإمام الطاهر بن عاشور أثر الإمام القرافي رحمه الله في ذلك. والأحوال التي ذكرها الإمام القرافي هي : التشريع، الفتوى والقضاء. وزاد عليها الإمام طاهر بن عاشور : الإمارة، الهدي، الصلح، الإشارة على المستشير، النصيحة، تكميل النفوس، تعليم الحقائق العالية، التأديب، والتجرد عن الإرشاد. (22)

فمن بين الأحاديث ما نعده ضمن واحد من تلك الأقسام، ومن بينها أيضا ما تنازع فيه العلماء ضمن أي قسم يندرج، هل كانت تصرفا بالفتوى أو تصرفا بالإمامة كقوله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا مواتا فهي له وكقوله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة "خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف" هل هو تصرف بالقضاء فيكون لزاما على من كان في مثل حالها التحاكم للقاضي أو كانت بالفتوى فلا يلزم بذلك. وكذا قوله صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلا فله سلبه" .. ويضيف الإمام علال الفاسي على ما ذكره الإمام شهاب الدين القرافي والإمام طاهر بن عاشور قسم آخر وهو التصرفات الإنسانية للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما "يأتي فيه الرسول بأفعال عادية جبلية تقتضيها دواعي الحياة البشرية وذلك كحالة الطعام والشراب واللباس والقيام والقعود ... ويدخل في هذا كل ما اجتهد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من الأعمال الدنيوية غير مستند فيه إلى وحي" (23). والمهم أن نعلم أن الفقيه وجب عليه التفريق بين أنواع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يحسن الاستشهاد بها وهذا الباب لا يقل أهمية عن تفريق الحديث بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف. وسيتم الحديث حول هذا في بابه.

ماهي المصلحة وماهي المفسدة ؟

إن الإصلاح هي الغاية الكبرى التي بعث من أجلها الأنبياء وشرع الله من أجلها الشرائع فـ"المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلفوا به من عدل ... والمراد بالإصلاح هنا إصلاح أحوال الناس لا مجرد صلاح العقيدة." (24) فالإصلاح مفهوم شامل يشمل العقيدة كما يشمل جميع نواحي الحياة فـ"لقد علمنا ان الشارع ما أراد من الإصلاح المنوّه به مجرد إصلاح العقيدة وصلاح العمل بالعبادة كما قد يتوهم، بل أراد منه [أيضا] صلاح أحوال الناس وشؤونهم في الحياة الإجتماعية فإن قوله تعالى : "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" أنبأنا أن الفساد المحذر منه هنا هو إفساد موجودات هذا العالم." (25)

فكل إصلاح إذا يكون في جانب حصول المصلحة، وكل تقصير في الإصلاح أو تقهقر في سلمه يكون في جانب المفسدة. ويعرف الشيخ الطاهر بن عاشور المصلحة بأنها "وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع دائما أو غالبا، للجمهور أو للآحاد. فقولي دائما يشير إلى المصلحة الخالصة المطردة، وقولي أو غالبا يشير إلى المصلحة الراجحة في غالب الأحوال، وقولي للجمهور أو للآحاد إشارة إلى أنها قسمان ... وأما المفسدة فهي ما قابل المصلحة وهي وصف للفعل يحصل به الفساد أي الضر، دائما أو غالبا، للجمهور أو للآحاد." (26) وذكر أن فعلا إن غلبت فيه المصلحة على المفسدة ألحق بعداد المصالح، وإن كانت الأخرى جعل من قبيل المفاسد. (27)

كما ذكر الشيخ طاهر بن عاشور أن المنهيات مرتبة ومتفاوتة كالمصالح، فقد ذكر في القرآن الفواحش والكبائر واللمم (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) كما ذكر الإثم والبغي (قل إنما حرم ربي الفواحش ...) وجاء وصف المنهيات بأن بعضها أكبر من بعض "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ..." (28). وكان ذلك دافعا للصحابة للقياس على ما لم ترد فيه حدود مما كان أشد من الزنا أو قذف المحصنات كشرب الخمر وغيره. (29)

ومن القواعد التي حددها الإمام علال الفاسي رحمه الله لقواعد تقييد المصلحة بالمقاصد :
- تحمل الضرر الخاص في سبيل دفع الضرر العام.
- إذا عارضت المصلحة مفسدة فإن دفع المفسدة مقدم وهذا معروف بلفظ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. (ذلك إن كانت المفسدة مساوية للمصلحة أو أكبر منها، فإن الفعل يكون في عداد المفاسد، وإلا كان من قبيل المصلحة كما ذكر في تعريف الإمام طاهر بن عاشور)
- اختلاف أحكام التصرفات لاختلاف مصالحها لأن الله شرع في كل تصرف من التصرفات ما يحصل مقاصده ويوفر مصالحه. وهذه القاعدة تعني أن الأحكام التي قررتها الشريعة تقصد لتحقيق غاية ومصلحة، ويظهر ذلك جليا في باب المعاملات، وهذه قاعدة نقلها علال الفاسي عن العز بن عبد السلام وضرب لها مجموعة من الأمثلة. ثم قال "لا نريد من ذكر هذه القواعد المقيدة للمصلحة حصرها واستقراءها، وإنما نريد أن ننبه إلى أن المصلحة لا تتعدى مجالها. ولا تعتبر إلا إذا لم يكن هنالك من الشارع ما يدل على إلغاءها، أو تقديم مصلحة أخرى عليها أو درء مفسدة قبلها." (30)



(1) صفحة 361، 362 و363 كتاب الشيخ طاهر بن عاشور وإسهامه في تجديد الفكر الديني
(2) أليس الصبح بقريب ص 230
(3) كتاب الشيخ طاهر بن عاشور وإسهامه في تجديد الفكر الديني ص380 و381
(4) من مقال الشيخ محمد الحبيب بن خوجة في مجلة جوهرة الاسلام العدد 43 سنة 1979
(5) كتاب أليس الصبح بقريب للإمام الطاهر بن عاشور ص109 و110
(6) مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها، الإمام علال الفاسي ص45
(7) المرجع السابق ص54 و55
(8) مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام الطاهر بن عاشور ص167
(9) المرجع السابق ص167
(10) المرجع السابق ص166
(11) المرجع السابق ص172
(12) المرجع السابق ص179
(13) المرجع السابق ص246
(14) سمي بالقسم التعبدي ذلك أن كل ما يدور في هذا القسم مما تدق علله أو تخفى علينا كسبب اختلاف الركعات بين الصلوات وهذا القسم مما لا تذكر علة الحكم في دليله الشرعي فيؤخذ كما هو ونسلم به. في حين أن قسم المعاملات والسياسة الشرعية علتها واضحة وهي إقامة النظام للناس وحفظه وإصلاح أحوال المجتمع، فيكون هذا القسم مقصده واضحا ظاهرا بخلاف القسم التعبدي. وقد خصص الشيخ الطاهر بن عاشور المبحث الثالث من كتابه لدراسة هذا القسم
(15) المرجع السابق ص185
(16) المرجع السابق ص 183 و184
(17) رواه الإمام مسلم
(18) مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام الطاهر بن عاشور، ص193
(19) المرجع السابق ص195
(20) المرجع السابق، فصل طرق استقراء مقاصد الشريعة
(21) مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها، الإمام علال الفاسي، ص54
(22) مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام الطاهر بن عاشور، ص212
(23) مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها، الإمام علال الفاسي، ص116
(24) المرجع السابق، ص45 و46
(25) مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام الطاهر بن عاشور، ص285
(26) المرجع السابق، ص279 و280
(27) المرجع السابق، نقله الإمام الطاهر بن عاشور عن الإمام الشاطبي في ص282 ووافقه عليه.
(28) المرجع السابق، ص290
(29) المرجع السابق، ص291
(30) مقاصد الشريعة الإسلامية وسماحتها، الإمام علال الفاسي رحمه الله، ص187



samedi 15 mars 2014

06- حول منهجية فهم النصوص الشرعية : قراءة في منهجية فهم السلفية

في نقد السلفية وضرورة التجاوز

06- حول منهجية فهم النصوص الشرعية
قراءة في منهجية فهم السلفية


منهجية الفهم وتطورها :

بدأت الحضارة الإسلامية تتوسع شيئا فشيئا من شبه الجزيرة العربية إلى أمصار أخرى فضمت الهند وتراثها ومصر والحضارات التي تعاقبت عليها وبلاد ما بين النهرين وثقافاتها وغيرهم، حتى امتدت فتوحات المسلمين خلال قرن واحد لتفوق ما وصلت له الحضارة الرومانية خلال ثمانية قرون. وكانت الحرية الفكرية التي اتاحها المسلمون لغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى الحاضن الأبرز لحوارات كثيرة ومحاججات طويلة أفضت إلى قناعة مفادها أن الإكتفاء بالإحتجاج بالنصوص عند المخالفين لا يوفي بالحاجة فضلا أن الواقع غير واقع الجزيرة العربية التي تميزها طبيعة جافة واجتهادات واضحة من الرسول صلى الله عليه وسلم الذي عايش ذلك الواقع وقدم المثال والأنموذج الذي يمكن أن يسير على نهجه أهل البلد من بعده خاصة أن الجزيرة العربية لم تشهد تطورا هاما على جميع الأصعدة والمستويات إلا في وقت قريب خلافا لما كان عليه الحال في مصر والشام وبلاد فارس وشمال إفريقيا والأندلس زمن الفتح وظهور مسائل حديثة وجب تأصيلها شرعيا. واستجابة لهذا التحدي ظهرت إشكاليات في الفكر الإسلامي حاول الفقهاء الإجابة عليها كحدود العلاقة بين العقل والنقل ومسألة التقبيح والتحسين وتفصيلات في الأدلة النقلية ومراتبها واستنباط القواعد من النصوص للقياس وغير ذلك.

فكان ذلك هو السبب الأبرز لظهور مدارس في أقصى اليمين بالنسبة لتيارات الفكر الإسلامي حينها سميت بالعقلية أحدثت القواعد نصرة لمنهجها وأخرى ظاهرية في أقصى اليسار تأخذ بظاهر النصوص. فسارت هذه الأخيرة على التصور البسيط وكانت بذرة السلفية الحديثة وحركتها الأم، فالقرآن والسنة المصدرين الأساسيين للدين مع تضييق شديد في بقية المصادر كالقياس وغلق لباب التأويل والتفسير والنظرة المقاصدية التي لم تظهر حينها كعلم وقواعد متبعة فكانت المواقف المستندة إلى هذا العلم مجرد أقوال لا تستند على منهجية أصولية واضحة ورؤية فكرية ناضجة. وبين الفريقين آخرون يقولون بالقياس على اختلاف في الأخذ به، ومن هؤلاء ظهر علم المقاصد مع الإمام الشاطبي رحمه الله في ما بعد والذي كان مبنيا أساسا على علم أصول الفقه، وكان علم المقاصد ذروة ما وصلت إليه الثروة الفقهية والقانونية التي دونها المسلمون منذ ظهور علم الأصول مع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه الأم.

منهجية الفهم عند التيار السلفي :

لقد ضيقت المدرسة الظاهرية قواعد فقهية أخرى كقاعدة أن الحكم يدور مع علته وما إلى ذلك، وتطور عندها هاجس الفتنة وتوسعت قواعد من قبيل "سد باب الذرائع" و"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" وأطلقت دون ضبط وتفصيل على مصراعيها. وهذه المنهجية ككل قاصرة تجعل من النص الشرعي مادة تنزّل دون ضوابط وشروط وفهم مبني على أصول وقواعد بل هو الفهم البسيط الذي يجد انتشارا واسعا بين عوام الناس ليسر تطبيقه والقول به ولسهولته وبساطة طريقته فلا يحتاج إلا للنص المستند إليه وفهم باللغة العربية، وكثيرا ما يكون بسيطا لا يراعي المجاز في العربية، ثم يطبق النص وتبنى عليه النظريات والأحكام. وإذا كان ذلك كذلك فلا تعجب إذا وجدت الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى يناقش في كتابه اللامذهبية ويتكبد عناء الرد على قول أحد مدعي العلم ممن يقول "أن الإسلام ليس أكثر من أحكام معدودة يسيرة يفهمها أي أعرابي أو مسلم" (1) ثم يقول "وتحصيل هذه الطريقة، أي الاجتهاد، سهل لا يحتاج لأكثر من الموطأ والصحيحين وسنن أبي داوود وجامع الترمذي والنسائي وهذه الكتب معروفة مشهورة يمكن تحصيلها في أقرب مدة فعليك بمعرفة ذلك وإذا لم تعرف أنت ذلك وسبقك إخوانك وفهمك باللسان الذي أنت تعرفه لم يبق لك من عذر." (2). وإن تراجعوا عن مثل هذه التصريحات مؤخرا، فإن طريقتهم في الاستدلال عمليا لا تتجاوز ما ذكره الخجندي صاحب الكلام في ما سبق.

يقول الدكتور محمد عمارة في كتابه تيارات الفكر الإسلامي : "لقد صاغ [الإمام] ابن حنبل [رحمه الله] منهج السلفية النصوصي، الذي يأخذ الإسلام، أصولا وفروعا، من النصوص والمأثورات، وذلك في مواجهة منهج متكلمي المعتزلة، الذين كان للعقل والتأويل شأن عظيم في المنهج الذي يأخذوا بواسطته الإسلام. ولقد بلغ من اتباع ابن حنبل للنصوص والمأثورات، ولها وحدها، الحد الذي جعله لا يرجح بالرأي أو العقل أو القياس، مأثورة على أخرى عندما تتعدد وتتضارب المأثورات في الأمر الواحد والقضية الواحدة، فكان يفتي بالحكمين المختلفين لأن لديه مأثورتين مختلفتان في الموضوع. وبعبارة [الإمام] ابن القيم [رحمه الله] فإن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عن ابن حنبل في المسألة روايتان !." (3)

لقد كانت المنهجية التي صاغها الإمام ابن حنبل في مواجهته للمعتزلة كالآتي : الأخذ بالنصوص كما هي على ظاهرها، إذا لم يجد فيها ما يقضي به نظر في الموروث من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، أما إذا اختلف الصحابة تخيّر من أقوالهم، فإن لم يجد أخذ بالمرسل والحديث الضعيف، وفي المرحلة الأخيرة إذا تعذر عليه كل ذلك عمل بالقياس للضرورة لا غير. (4) فأضفت هذه الطريقة قداسة على أخبار الماضي دون نظر وتحقيق، وكلما كان الحديث أقرب لعهد الرسول صلى الله عليه وسلم كلما كان إلى الحق أقرب، وتجد ذلك واضحا بينا لا غبار عليه في المعتمد من ذم آراء الخلف ومدح آراء السلف رغم أن من آراء السلف ومما روي عن الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه "لا تنظر إِلى من قال، وانظر إلى ما قال" ومن الأحاديث (الضعيفة) المروية "الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها" (5) ومما يصدق هذا من الآيات كثير لا يحصى كقوله تعالى "لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" (6) وما ذكره الله تعالى في من جاءه الحق فنبذه زاعما أنه وجد آباءه على أمة وهو على آثارهم من المقتدين والمهتدين، فذم الله منهجهم وحثهم على التدبر والتفكر واستنكر عدم تعقلهم وإتباعهم الأعمى حتى ذم بني إسرائيل في ذلك وجعل مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا. وإن كان الإمام أحمد قد حصر الآراء في الصحابة رضوان الله عليهم فإن من جاء بعد الإمام أحمد قد زاد الحقبة الزمنية لتشمل الثلاث قرون الأولى. و"هكذا، على هذا النحو أضفت الحركة السلفية القداسة على النصوص والمأثورات، ووقف منهجها النصوصي عند هذه النصوص والمأثورات، بل لقد وقف عند ظواهرها، عندما رفض أن يعمل فيها الرأي أو الاجتهاد أو التأويل أو القياس، حتى عندما كانت تتعارض وتتناقض نصوص هذه المأثورات ومضامينها !" (7) كما تم تحديد الرأي في طريقين، الطريق الأول هو ما تلقته الأمة خلفا عن سلف بالقبول، وهو الإجماع، والثاني هو الرأي المروي عن الذين شاهدوا التنزيل فيكون الرأي المفسر للقرآن الكريم، وشدد على غير ذلك، بمثل ما روي من مأثورات من قبيل "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام"، "الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي"، "ضعيف الحديث أقوى من الرأي" (8)، "الرسول قد توفى وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علما" ...

فلك أن تستطلع أحوال المجتمع العلمي الذي تنتشر فيه هذه المنهجية وتتمكن من رؤوس العلم فيه، هل يكون للاجتهاد اعتبار عندهم بعد ذلك ؟! أو تكون لهم جرأة على مخالفتهم للسلف وهم مجرد خلف ؟! فلا يكون حينها الإجتهاد إلا عملية اجترار لما تم تصنيفه وتدوينه، وإن لم يكن هذا إغلاق لباب الإجتهاد فما هو الإجتهاد إذا ! وربما تكون حينها الحركة العلمية مجرد تغيير في تبويب الكتب وعناوينها وترتيب فصولها مع شيء من التعليق وإضافة الحواشي، وإذا ما أردنا الثورة فإننا ننتقل من رأي أحد السلف، إلى رأي آخر لأحد السلف ! وهذا غاية المنى حينها ولا نبرح تقليب ما بين أيدينا من كتب وما حوته من آراء فقهية إلى أبد الدهر، طالما أن السلف لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وقد أوتوا منها علما ! ولا بأس أن نتغاضى أن الفقه معناه الفهم، ولنجعل من ذلك الفهم في حد ذاته التقديس كله !

ولك أن تدرك بعد هذه اللفتة أن الدعوة السلفية الحديثة تترنح بين محورين لا تكاد ترتكز على أحدهما حتى تنتقل إلى الآخر عند الضرورة، فهي حينا دعوة إلى المراجع الأصلية دون غيرها، كتاب وسنة، دعوة إلى الأصل بما ذكر من أقوال من قبيل "إذا صح الحديث فهو مذهبي" وغير ذلك مما يقع في هذا المعنى من أن العبرة ليست بأقوال من سلف وإنما في الأدلة وما ارتكزت عليه من أرضية في ميزان الشرع (أي كتابا وسنة وما انبثق عنهما من أصول وأحكام ومقاصد وعلوم شرعية وآلات فهم)، وهي أحيانا أخرى دعوة إلى تضييق عملية الإجتهاد وحصرها في آراء سلف الأمة دون غيرها وحصر الفقه (الفهم) على ما حوته الكتب ورفض دون ذلك (قبل التطرق إلى الأدلة، فإن الرفض هنا مبدئي لعملية الإجتهاد لا رفضا عارضا للدليل، فلو كنت أصوليا صاحب دليل أقوى وأدق فإن ما عندك مرفوض). وفي هذا الجانب يُستشهد بما ورثته الظاهرية من أقوال داعمة في هذا المنحى من أن خير القرون هي القرون الثلاث الأولى فتزعم أن ذلك ليست أفضلية إيمان وتقوى وعلم، دون إطلاق وضم لكل قول ودفع لكل ما وراءه ورفضا لكل ما بعد تلك القرون، فتُلخّص حياة الأمة وما اكتسبته من علوم في قرون ثلاث من حيث اكتساب العلم وأدوات التحليل وطرق الإستدلال، فتفقدك هذه الأقوال كل ما عرفته من أن العلم عملية تراكمية يساهم فيها الزمن كما يساهم فيها تطور الحركة العلمية والفكرية فضلا أن للمجتهد شروطا إذا ظفر بها جاز له الإجتهاد في أي عصر وصقع ! (9)

وهذا الحاجز الأول فقد يرد بعضهم الآية والحديث لقول مرجوح مأثور، فلا تسأل إذا عن رد الأمور العقلية القطعية لحديث ضعيف كما رأيت من استعداد لذلك في بعض ما نقلت سابقا.

يقول الدكتور محمد عمارة : "في أمور الدين لا الدنيا يكاد يتفق علماء الإسلام على أنه لا مجال للرأي أو الاجتهاد إذا ما وجدت النصوص، ولكن من عدا السلفية يشترطون في هذه النصوص، وحتى يمتنع بوجودها الرأي والاجتهاد، يشترطون فيها أن تكون قطعية الدلالة قطعية الثبوت بمعنى أن تكون دلالتها واضحة قاطعة، لا تقبل الاحتمالات، وأن يكون ثبوتها قطعيا، من حيث الرواية، والأكثرون يشترطون في النصوص الدالة على أمور إعتقادية أن تكون متواترة، ولا يقبلون الإلزام في هذا الباب بأحاديث الآحاد. أما إذا لم تكن النصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت فإنهم، غير السلفية، لا يرون وجودها مانعا من إعمال الرأي فيها والاجتهاد معها. فالاجتهاد مع النصوص في هذه الحالات أمر وارد، بل ومقرر عند غير السلفيين من العلماء." (10)

فيظهر لك مما تقدم أن إنكار القياس والرأي أو الحيز الضيق الذي أخذوه في هذا المنهج الظاهري وجعله في آخر المراتب بل وجعل ما أفاده من قبيل أدنى درجات الظن الذي يجوز تقديم الأحاديث الضعيفة عليه يعتبر في حد ذاته إنكارا للحكمة في التشريع والعلة في الأحكام، وردا لقواعد كثيرة من علم أصول الفقه لا تكاد تحصى ولا تعد، بل لعلم المقاصد ككل، فالأمر مرتبط. ومن هنا يظهر لك ضرورة الوعي بمقاصد الشريعة وضرورة فهم الأحكام ومن ثم تنزيلها وتطبيقها في كنف أصول الفقه ومقاصد الشرع، فكثيرا ما يظن البعض أن الدليل أقوى من الأصل في حين أن الأصل قد شيد على عدد من الأدلة تكون في بعض الأحيان متواترة ومتفق عليها لا تنازع فيها، فما بالك بالمقاصد الشرعية وهي الأقوى والتي تندرج القواعد والأصول في رحابها !  فمن اقتنع بفساد تلك المنهجية في الفهم لزمه إذا أن يقول بفساد القول بأن الشريعة والمصلحة متنافرتان، فالشريعة جاءت لتحقيق المصالح وعليه فلا تعارض بين الشريعة وبين ما تحيل إليه الفطرة من جانب والأدلة العقلية الصحيحة الصريحة من جانب آخر فكلهم في مآل واحد.




(1): صفحة 63 كتاب اللامذهبية صفحة 63 للإمام محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله
(2): المرجع السابق صفحة 19 و20
(3): صفحة 137،138 من كتاب تيارات الفكر الإسلامي، للدكتور محمد عمارة، وهذا الأخير مرجع رئيس في هذا الفصل فقد استفدت منه كثيرا، فأرجو الرجوع إليه للإستفادة أكثر.
(4): المرجع السابق ص138
(5): رواه الترمذي وضعفه، وغيره بغير لفظه.
(6): سورة المائدة
(7): محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، صفحة 139
(8): لا يهمني في هذا الصدد ما أثير من أن الحديث الضعيف المقصود به هو الحديث الحسن أو اختلاف مصطلحات المحدثين قديما وحديثا، أو قبل الإمام الترمذي وبعده إن أردنا الدقة، ولكن ما يهمني هو الإشارة إلى أن مثل هذه الأقوال مثلت خلفية ذهنية في هذا الفكر فمن خلال مجموع هذه العبارات تصنع الرؤية الفكرية والتوجه الأصولي لجماعة ما. إذا ما يهمنا بالأساس هو الأثر الناتج عن مجموع هذه الأقوال في التحذير من الرأي والأخذ به بتوسع يقرب للإطلاق. وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ الطاهر بن عاشور قد استبعد أن يكون مثل هذا الكلام عن الإمام احمد بن حنبل بل إنه ذهب للـ"جزم" بأنه لم يصدر عنه تنزيها للإمام من مثل هذا القول. وهذا الكلام في الصفحة 25 من طبعة مكتبة الاستقامة وغير موجود في طبعة الشركة التونسية.
(9): لمن يريد أن يتبين أكثر في الفرق بين هذين الجناحين اللذان يُستعملان في منهجية التيار السلفي فبإمكانه أن يعود لكتاب اللامذهبية للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله والذي رد فيه على الثورة التي دعا إليها أحد "مشايخ" السلفية ممن دافع عنهم الإمام الألباني رحمه الله وغفر له على المذاهب الأربعة وأئمتها (ثورة على أئمة من أهل القرون الثلاث الأولى ؟!) فهذا أحد الإخلالات المنهجية !
(10): كتاب تيارات الفكر الإسلامي ص139

dimanche 9 mars 2014

05- أسباب الإختلاف ووهم الفرقة الناجية


في نقد السلفية وضرورة التجاوز

05- أسباب الإختلاف ووهم الفرقة الناجية

وهم الفرقة الناجية :

من الأحاديث التي يرتكز عليها التيار السلفي حديث افتراق الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين شعبة كلها في النار إلا الجماعة التي تقتفي أثر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فهذا الحديث من أول الأحاديث التي يتلقاها العقل السلفي ومن المعلوم أن اللحظات الأولى في أي تجربة للتموقع ضمن فكر ما هي اللحظات الأبرز التي تصنع الوعي المستقبلي لفترة لا بأس بها وتدفع إلى التموقع في رحاب ذلك الفكر إلى حدود الوصول لمرحلة النقد الذاتي الذي يتعذر عمن تشبع عقله بالحواجز المقامة لردعه في التفكير في النقد، فيُصنع لدى حديث العهد بالإلتزام الذي بدأ التوغل في الفكر السلفي وتبنيه والذي لم يمض على إلتزامه سوى أيام معدودة رد فعل صدامي مع كل مخالف لفكره المكتسب بناء على ذلك الحديث وحرصا منه على عدم التفريط في "المنهج القويم" بعد أن وجد نفسه قد اهتدى إلى "الحق" فيصادم كل فكر مخالف يعتقد أنه سيقوده إلى إحدى تلك الفرق "الضالة"، فيلتقي إذ ذاك كل خلاف بوعي مسبق قوامه الرفض !

نص الحديث المشهور الذي ينتشر على لسان مشايخ السلفية خاصة إذا كان مدار حديثهم إقناع المخاطبين لضرورة تمسكهم بالمنهج السلفي دون غيره من المناهج هو ما روي عن ابن ماجه من حديث عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل يا رسول الله من هم؟ قال الجماعة". (1)

ورغم أن الحديث قد روي من عدة أوجه عن طرق ثمانية لم يخرج منها الشيخان، الإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما، أي وجه من الوجوه، ورغم أن جميع الأحاديث تراوحت درجتها بين الضعيف والموقوف والمنكر وكان أفضلها حالا الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه والذي لا يحتوي على "كلها في النار ..." وبقيت فيه مؤاخذة عن محمد بن عمرو لكثرة أوهامه (2)، رغم ذلك فإن الحديث المشتهر الذي بقي يتناقل عند أئمة السلفية وطلبة العلم منهم قبل العامة هو حديث عوف بن مالك ومثله من الأوجه مرادهم في ذلك إبراز أن الفرق كلها في النار إلا واحدة، ليتيسر إثبات أن هذه الواحدة إنما هي السلفية، أو بالأحرى السلفية التي عليها الشيخ دون غيرها !

فتجد مدار كلام الأئمة في هذا الحديث على عدة أوجه. فمنهم من رد الحديث وضعفه متنا وسندا، فمع كثرة الأخذ والرد في من رواه تجد أن المتن فيه إشكال.(3) أولا للاختلاف الشديد في ألفاظ الروايات مما يفتح باب التفسير والتأويل فينتقل الحديث إلى قسم ظني الثبوت وظني الدلالة فلا تقوم به الحجة ولا يفصل به عند التنازع فيكون الأولى من عرض الحديث على عامة الناس وخاصة الملتزم حديث العهد الانتقال لما صح وما فيه عبرة من تفاصيل المناهج وأساسياتها، وثانيا لاحتمال أخذ بعض أوجه الحديث في منحى يفتح باب التكفير عند كل اختلاف فلا يمكن رسم حدود الفرق واختلافها ومتى تتمايز فرقة عن أخرى وهل يكون ذلك في المسائل العقدية والفقهية معا أو العقدية دون الفقهية وما حدود الاختلاف في كل واحدة فيها. ولذلك حمل بعض العلماء أن الحديث في حال قبوله والتغاضي عن المآخذ عليه ينبغي أن يفهم على أن الفرق التي مآلها النار ممن أضاعت المعلوم من الدين بالضرورة وفرطت فيها من قبيل غلاة الجهمية وغلاة الصوفية وغلاة الشيعة وغيرهم، ويميل بعضهم الآخر إلى أن الحديث عن فرق الأمة الإسلامية دون أن يكون الحديث بمعنى خلودهم في النار فكانوا من قبيل العصاة (4)، كما تجد في رواية بلفظ "  كلهم في النار إلا ملة واحدة" من فسر الملة على أنهم أصحاب الدين الواحد ففرق بين هذه الملة وهي ملة الإسلام وبين غيرها من الملل. 

وهكذا حل العلماء إشكالية هذا الحديث دون الوقوع في تكفير كل مخالف كما يفعل بعض غلاة السلفية اليوم ممن استحل أن يجعل كل مخالف له في أمور العقيدة ولو صغر الاختلاف من تلك الفرق الضالة أهل النار، ولا تسأل إذا كان الاختلاف في شرح الأحاديث في المجال الفقهي وخاصة في السياسة الشرعية، فإن منهم من يصنفك ضمن بعض تلك الفرق حالما تتعلق بأحد المشايخ وتستمع إليه وتعمل برأيه ومنهم من يتبرأ منك حالما تتبنى رأيا مخالفا له فيحكم هواه في الحكم عليك فإن خالفته في حديث يصنفه ضمن الأحاديث المركزية بالنسبة له جعلك ضالا مضلا وإن خالفته في ما دون ذلك من الأحاديث والآيات مما لا يجد فيه إشكالا عند الإختلاف فإنه يمسك عنك لسانه، ومنهم من يغلو حتى يرمي الكفر على كل من خالفه في مسائل السياسة الشرعية خاصة ويستحل ذلك بفهم قاصر مبني على هذا الحديث وغيره من الأحاديث والآيات التي تندرج في إطاره. (5) (6)

وهؤلاء من قصدهم الإمام طاهر بن عاشور بقوله : "لو قصر الخلاف على ما بين العلماء لكان أمر التفريق يسيرا، ولكن حف به من الحمية والتعصب ما بعث كل طائفة على الانتصار بجماعة من العامة يلقنونهم سطحيا فساد مذاهب المخالفين، فتتخيلها العامة إلحادا في الدين، فانشفت الأمة تفاريق العصا." (7) فتعلم بذلك مغبة إلقاء أمثال هذه الأحاديث لعامة الناس وحديثي العهد بالإلتزام.

أسباب الإختلاف :

إذا تجاوزت عقبة وهم الفرقة الناجية يمكنك بعدها التعرف عن أسباب الاختلاف المشروعة حتى لا يكون أحدنا حاطب ليل يجوّز كل اختلاف ولو كان خارج دلالة النصوص الشرعية ومعانيها ومقاصدها. فإن وهم الفرقة الناجية يجعلك لا تبرح باب التقليد وتخشى ولوج باب الإجتهاد، كما أن إطلاق الاجتهاد دون ضوابط شرعية يقوض حدود الدين ويبيح كل رأي ولو كان شاذا لا سند له. فللإختلاف أسباب إذا أحصيناها سهل علينا معرفة حدود الاختلاف وضوابطه.

إذا علمنا أن الاجتهاد فرض على أهله في كل عصر علمنا أن الآراء ستتحد في مسائل وتتفق وستختلف في أخرى وتفترق. فكان محل اتفاقها هو الاجماع، وكان محل اختلاف تلك الآراء منطقة للنظر في أقوى الادلة وأصوبها. وإذا جمع الاختلاف مع الأسباب العلمية التي تكسب كلا الرأيين شرعية في ميزان الكتاب والسنة، إذا جمع معها أدب الاختلاف وحسن إدارته فإنه بلا شك سيكون عاملا إيجابيا يخدم الدين ويدفع بالحركة الفكرية والعلمية. فإن الإجتهاد حركة عقلية في النصوص (8) تبطل أسباب الكسل العقلي وذهاب ريح العلم والجد في تحصيله.

إن الإسلام واحد، والحق واحد لا يتعدد، ورغم ذلك فقد كان من حكمة الله عز وجل أن جعل في الإسلام مصدرين أساسيين للبحث والاستدلال هما الكتاب والسنة اللذان تفرع عنهما أصول فقهية أخرى كالقياس والإجماع والاستحسان والمصالح المرسلة، ولو شاء الله أن يبطل أسباب الإختلاف في الدين ويقطع التفرق في الآراء منذ أول جيل لآخره لكان ذلك، ولكن كان من حكمته أن جعل لورثة الأنبياء حظا في البحث والاجتهاد وإعمال العقل ولولا ذلك لكان العلم مبتورا يحظى به قاصر الهمة كما يحظى به عاليها ويتساوى الجاهل والعالم وينقطع تمييز الناس ممن ركن للمحرمات والمتشابهات وأضله الله على علم ممن اتبع الحق أو اجتهد رأيه في ما بين يديه من أدلة ما استطاع وأخلص النية لله، فإن الله خلقهم ليميز الخبيث من الطيب "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" بل روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (9). وكما أن العقول تتفاوت عند الناس عامتهم وعلماءهم، فإن فهم النصوص وما وصل لكل واحد منها تتفاوت أيضا، فيكون بذلك الاختلاف واقعا لا محالة ولا مناص منه، مشروع في جزئيات الدين لا كلياته، وفي أحكامه الفرعية لا في حدوده والمعلوم منه بالضرورة.

ذكر الإمام ابن السيد البطليوسي رحمه الله أن "الخلاف عرض لأهل ملتنا من ثمانية أوجه، كل ضرب من الخلاف متولد منها متفرع عنها : الأول منها: اشتراك الألفاظ و المعاني. والثاني: الحقيقة والمجاز. والثالث: الإفراد والتركيب. والرابع: الخصوص والعموم. والخامس: الرواية والنقل. والسادس: الاجتهاد فيما لا نص فيه. والسابع: الناسخ والمنسوخ. والثامن: الإباحة والتوسع." (10)
فالأول يعود إلى المصطلحات وتعريفها، والثاني من قبيل الإختلاف بين العلماء في فهم الصفات الخبرية ومن قبيل حديث نزول الله إلى السماء، والثالث كمن حرم الخمر للجمع بين آيتين "يسأَلونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إِثم كبير ومنافع للناس" و"قل إِنَّما حرَّمَ ربِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهرَ مِنْها وما بَطَن والإِثمَ". فـ"تركب من مجموع الآيتين قياس أنتج تحريم الخمر، وهو أن يقال: كل اثم حرام، والخمر إثم، فالخمر إذاً حرام." (11) ومنهم من حرمه بالإفراد بآية "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان إلى قوله: فهل أنتم منتهون". ورابع الأسباب الخصوص والعموم كقوله تعالى " الذِينَ قَالَ لَهُمْ الناسُ إِنَّ النَاسَ قَدُ جَمَعُوا لكم" والمقصود بلفظ الناس الأول رجل واحد وهو نعيم بن مسعود ولم يقصد أن جميع الناس قد جمعوا لمن خاطبهم ! وكذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... الحديث" (12). وخامس الأسباب الرواية والنقل في الحديث سواء أكان ذلك لفساد الإسناد أو لنقل معنى الحديث دون لفظه أو لإعرابه أو لتصحيفه أو غير ذلك من الأسباب وقد عدّ الإمام البطليوسي ثمانية أسباب للإختلاف في هذا الباب أشهرها السبب الأول. وسادس الأسباب الإختلاف في ما لا نص فيه وسابعها الخلاف العارض من قبل النسخ والإختلاف التي تدور حول موضوعه من إثبات للنص الناسخ وللنص المنسوخ وما يثار من نسخ السنة بالقرآن من عدمه وما إلى ذلك. وآخرها الإختلاف في ما أباحه الله عز وجل كالإختلاف في القراءات الصحيحة للقرآن الكريم وغير ذلك مما يصطلح عليه بمنطقة العفو. (13)

إذا علمت أسباب الاختلاف سهل عليك تقبل الإختلاف في حد ذاته بلا تعصب للآراء، وتركت وهم الفرقة الناجية التي تم تصويرها تصويرا كاريكاتوريا فجعلت صاحبة الرأي الواحد والفهم الواحد وضيق حيز الإختلاف فيها حتى إننا نكاد ان نكون قاب قوسين أو أدنى من أن يعود التناحر بين مدارس الفقه كما كان من قبل وحتى صار أتباع التيار السلفي عوض أن ينظروا في الأدلة جعلوا ينظرون في أصحاب القول قبل النظر في أدلته، فتقبلوا ما رضته قلوبهم من أقوال بعد عرض أسماء أصحابها وتزكية بعضهم ورفض بعضهم وتركوا ما لم يرضوه لمجرد الهوى والعاطفة الجياشة في المسائل العلمية بل أنكروه وخالفوه. فلم ينظروا في الأدلة ولا في أسباب الإختلاف ولم يمحصوا السليم من السقيم. وهذا منهج باطل ابتدعه من زكى بعض الشيوخ في مصاف الفرقة الناجية وصنف آخرين في الفرق الهاوية وضيق مجال الإختلاف حتى لم تسعه وطائفته فراحت السلفية بتياراتها تتقاذف التهم وينسب كل منهم لنفسه أنه من الفرقة المعنية في الحديث، فالأول ينعت الآخر أنه من الخوارج ممن لن يشم رائحة الجنة والآخر يزعم أن مخالفه مرجئ صاحب "عقيدة فاسدة" ويزاحم كل واحد فيهما على حيازة لقب السلفية دون الآخر ! وهكذا عوض أن تناقش الأدلة راح بعضهم يتقاذف التهم ويتبادل الكيد ويحاولون الظفر بلقب لا بشيء إلا بقلة العلم بدلالة الحديث وصحته وأبعاده وبالرجم بالغيب.

وإننا لو فهمنا الحديث على محمله السليم، إذا أخذنا بأسلم طرقه وضربنا جدلا بصحته، فإننا لا نقع في هذا التضييق الذي يكاد أن يدفعنا لإغلاق باب الإجتهاد مرة أخرى مخافة الوقوع في براثن الفرق الضالة واجترار الموروث دون اجتهاد والتقليد في ما وجب فيه البحث والنظر خاصة في ما أحدث من قضايا واستجد. فنجمع بذلك رونق الإجتهاد وطيب ثماره إلى أدب الإختلاف ونقاوة معدنه.

----------------------------------------------
(1) رواه الإمام ابن ماجه
(2) نص الحديث عن أبي هريرة مرفوعا : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" وهذا لفظ الرواية الأولى عند ابن حبان وباقي الروايات نحوه وليس في الحديث زيادة:" كلها في النار إلا واحدة"، قال الإمام الشوكاني رحمه الله : "أما زيادة كلها في النار إلا واحدة فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم أنها موضوعة."، كما أن هذا الحديث لا يصح أن يندرج ضمن الأحاديث الضعيفة التي تتقوى بغيرها، نقل الشيخ حاكم المطيري في بحثه عن الحديث مقولة للإمام أحمد شاكر حول الموضوع جاء فيها "وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين في إطلاقهم أن الحديث الضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن أو الصحيح، فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع : ازداد ضعفاً إلى ضعف، لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم، بحيث لا يرويه غيرهم يرفع الثقة بحديثهم، ويؤيد ضعف روايتهم"
(3) الإمامين ابن حزم وابن الوزير
(4) انظر كتاب الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم، للشيخ يوسف القرضاوي
(5) لا تغتر بكل مصحح للحديث، فإن منهم من يتساهل في تصحيح الأحاديث والأخذ بها فشروطه لا ترتقي لكي تكون شديدة كشروط الشيخين مثلا، كابن حبان والترمذي والحاكم، ولذلك تعد أحاديث الإمامين البخاري ومسلم من أصح الأحاديث لشدة شروطهما في الأخذ بالحديث.
(6) في هذا الحديث وطرقه بحث مفصل ومهم للشيخ حاكم المطيري بعنوان (حديث الافتراق "تفترف أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" بين القبول والرد دراسة حديثية إسنادية) ارجو العودة إليها حتى تحصل فائدة أعمق، وقد استعنت بها في ما كتبت.
(7) كتاب أليس الصبح بقريب ص207 للشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور
(8) قول الإمام طاهر بن عاشور في تعريفه للإجتهاد
(9) رواه الإمام مسلم في صحيحه
(10) انظر كتابه الإنصاف في بيان سبب الخلاف
(11) الإمام ابن السيد البطليوسي المرجع السابق
(12) حديث صحيح.
(13) لمزيد الأمثلة انظر كتاب الإنصاف.